من أجل رؤية اقتصاديّة شاملة.

‌اياد مهدي عباس

من الواضح أن الحرب الدائرة في منطقة الخليج باتت تشكل عبئاً ثقيلا على اقتصادات دول المنطقة والعالم، وعلى اقتصاد العراق على وجه الخصوص، وبما أن الاقتصاد العراقي اقتصادٌ ريعي يعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات النفط، الأمر الذي يجعله أكثر تأثراً بالتقلبات والأزمات التي تشهدها المنطقة. وفي ظل هذه الظروف اتخذت الحكومة العراقية في السابع من تشرين الأول قراراً يقضي برفع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الدينار العراقي، أي رفع سعر بيع الدولار للمواطنين في المصارف العراقية الحكومية من 1320 إلى 1520 ديناراً للدولار الواحد، في محاولة منها للخروج من أزمة السيولة الخانقة التي يمر بها الاقتصاد ، بسبب العجز المالي الناجم عن جملة من العوامل وفي مقدمتها السياسات المالية الخاطئة للحكومات السابقة إلى جانب الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة والمتمثلة بالحرب الدائرة في الخليج وتوقف صادرات العراق النفطية عبر مضيق هرمز.
إذاً لا يمكننا النظر إلى قرار رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار بمعزل عن الظروف السياسية والأمنية والتداعيات الاقتصادية الخطيرة التي يمر بها العراق والمنطقة، ولعل ما يزيد من وطأة هذه التداعيات على الاقتصاد العراقي اعتماده الكبير على إيرادات النفط إلى جانب ما يعانيه البلد من استشراء ظاهرة الفساد وغياب الاستراتيجية الاقتصادية الواضحة القادرة على مواجهة الأزمات ومعالجة المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها العراق .
ومن هنا يبرز السؤال: هل كان رفع سعر الدولار ضرورة فرضتها الظروف الاقتصادية الراهنة، أم أنه محاولة لمعالجة أزمة مالية على حساب المواطن وقوته الشرائية؟ وما هي التداعيات التي يمكن أن يتركها هذا القرار على الأسعار والأسواق ومستوى معيشة العراقيين؟
إن التجارب الاقتصادية العالمية تشير إلى أن الدول التي تعرضت لتراجع مفاجئ في إيراداتها النفطية أو مواردها الأساسية لم تكن مضطرة دائما إلى تحميل مواطنيها كامل كلفة الأزمة من خلال خفض قيمة العملة، بل لجأت في حالات عدة إلى حزمة من الإجراءات المالية والنقدية المتكاملة. وبإمكان العراق النظر في تلك التجارب والاقتباس من بعضها في معالجة المشكلات الاقتصادية والتحديات المالية التي تتشابه في ظروفها مع ما يمر به العراق اليوم، إذ استطاعت بعض الدول النفطية مثل النرويج، الاستفادة من صناديق الثروة السيادية التي جرى تكوينها خلال سنوات الوفرة لمعالجة آثار تراجع الإيرادات، كما أقامت دولة تشيلي صندوقًا للاستقرار المالي لمواجهة تقلبات أسعار صادراتها الأساسية. كذلك لجأت دول أخرى إلى الجمع بين إصلاح السياسة المالية والنقدية، وترشيد الإنفاق، ودعم الإنتاج المحلي بدل الاعتماد على أداة واحدة لمعالجة الأزمة.
إلا أن تساؤلاً يطرحه بعض الاقتصاديين من ذوي الخبرة والاختصاص مفاده : إذا كانت الحكومة قد لجأت إلى تغيير سعر الصرف بسبب عدم وجود إيرادات كافية لتغطية نفقاتها كيف يتسنى لها أن ترفع حجم الرواتب من 90 إلى 101 ترليون دينار كما هو مقرر في الموازنة الجديدة لعام 2027 ؟ ويرون أيضاً أن بإمكان الحكومة تحقيق عوائد مالية كبيرة أكثر مما يحققه رفع سعر صرف الدولار من دون اللجوء إلى تغيير سعر الصرف وذلك من خلال اصلاح النظام الكمركي أو تفعيل التحاسب الضريبي للشركات الكبرى التي لم يتم محاسبتها، إلى جانب إحكام السيطرة على عملية جمع أموال الجباية من الدوائر التابعة للدولة.
إلا أن الحكومة اتخذت الطريق الأكثر كلفة على المواطن والأشد تأثيرا على قدرته الشرائية،
إن رفع سعر الصرف قد يكون أحد الخيارات المتاحة أمام الحكومة العراقية، لكنه ليس الخيار الوحيد، وكان بالإمكان أن يأتي ضمن حزمة متكاملة من الإجراءات تشمل خفض النفقات غير الضرورية، وتقليص الامتيازات الممنوحة للرئاسات الثلاث، وخفض الرواتب المرتفعة لبعض المسؤولين وترشيد الإنفاق العام مع توسيع قاعدة الإيرادات، وكذلك مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة، بدلاً من تحميل المواطن وحده أعباء هذه الأزمة، ومن الأهمية بمكان العمل ايضاً بجدية على دعم الإنتاج المحلي وحمايته من
من منافسة السلع المستوردة.
ومن هنا فإن معالجة الأزمة الاقتصادية العراقية لا ينبغي أن تقتصر على رفع سعر صرف الدولار، مهما كانت دوافع القرار بل يفترض أن يكون هذا القرار جزءاً من رؤية اقتصادية شاملة تتضمن إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام مع دراسة مستفيضة لتبعاته على السوق العراقية، فالأزمة المالية قد تفرض على الحكومة اتخاذ قرارات صعبة، لكن نجاح المعالجة لا يقاس بقدرتها على توفير السيولة للخزينة فقط، وإنما بقدرتها أيضًا على حماية القوة الشرائية للمواطن والحفاظ على استقرار الاقتصاد في البلاد بما يضمن تجاوز الأزمة دون تحميل المواطن أعباءً جديدة.


PM:05:14:16/10/2026

ئه‌م بابه‌ته 320 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌