وجع الاقلام الخائرة .. كيف يحول نائب نقيب الصحفيين الاوجاع الى صفقات؟

‌خالد الخفاجي

تعتنق نقابة الصحفيين عقيدة استثمارية فريدة من نوعها يُطلق عليها تكتيكياً (الدعم المستتر) وهي تعني إن ما تقبضه يدك اليمين من منح وهبات يجب ان لا تعلم به يدك اليسار! وعلى الرغم من السيل العارم من المنح والأموال الحكومية والهيئات الاستثمارية التي تتدفق على مقر النقابة دون غيرها من النقابات، وحجم عائداتها الهائل من رسوم الانتساب والاشتراكات السنوية والاعتمادات واجور الاعلان واجازات النوادي الترفيهية التي تجيزها باسم الصحفيين، إلا أن هذه الأموال شبحية تتمتع بخاصية التخفي؛ فلا يمكن رصدها وتتبع اَثارها من رادارات الصحفيين ولا يقتنص بعض من نعيمها إلا (أولو حظ عظيم) من الحاشية المقربة لسعادة نائب النقيب، أو زمر الردّاحين والمدّاحين ممن يحظون برضاه المبارك ويسخرهم في معاركه الاعلامية، بينما تبقى ميزانيات النقابة وأبواب الصرف سرّاً من أسرار النقابة وعصية على الأجهزة الرقابية.
ولعل أولى الشواهد على هذا السحر الإداري الذي تتفرد به نقابة الصحفيين ترجع إلى ولاية السيد المالكي الأولى؛ حين هبطت على حساب النقابة منحة طارئة قدرها (4 مليارات دينار)! ظل هذا المبلغ سرياً للغاية كأنه (كود) الحقيبة النووية المربوطة في معصم السيد نائب النقيب، حتى تسربت أخبارها عبر مقال رئيس تحرير صحيفة (المدى) الأستاذ فخري كريم، متسائلاً بفضول غير مرغوب فيه من السيد نائب النقيب: أين ذهبت الأربعة مليارات ؟! وهنا، لم يتردد السيد نائب النقيب في إعلان (الحرب الشاملة) على مؤسسة المدى؛ فشن حملة إعلامية لا هوادة فيها ولا اخلاق، بلغت من النبل والشهامة حدّ تكليف بعض المفلسين مهنيا واخلاقيا بالتجوال ليلاً في شوارع بغداد ولصق المنشورات التي تنال من الصحيفة ورئيس تحريرها! لكن هذه المعركة المفتوحة جعلته يفكر ألف مرة قبل أن يترك حزمة مالية حكومية أخرى تتسرب للصحافة دون إجراء التحصينات الأمنية المشددة.
ومع تدهور الوضع الاقتصادي للصحفي العراقي بعد اعلان (تقشف العبادي)، طور السيد نائب النقيب مهاراته التنفيذية ليتحول إلى متسول بمواصفات عاطفية؛ يتجول بوجع الصحفيين كما يستجدي المتسولون بأطفالهم على قارعة الطريق، يتاجر بمعاناتهم لتعزيز أرصدته ومضاعفة عذاباتهم.
تحايل سيادته باسم رفاهية الصحفيين وعوائلهم ليستولي على أحد افخم القصور الرئاسية العائدة للنظام السابق في منطقة الأعظمية وعلى ضفاف دجلة، بحجة تحويله إلى نادٍ ترفيهي واستراحة للصحفيين المتعبين من شظف العيش. وعلى الفور، انطلقت جوقة المداحين بأهازيج البطولة والمنجزات الإنسانية التي لا تنتهي.. وبمجرد أن قبضت المفاتيح وأُغلقت أبواب القصر، تبخر الحلم الترفيهي، وأطل علينا نائب النقيب ليفاجئنا بعقد لاستثمار القصر أتفق عليه حتى قبل استلامه! ودون أن يعرف أحد كم دخل النقابة من هذا الاستثمار واين تذهب، اما ما ناله الصحفيون من هذه الصفقة فليس اكثر من لافتة على بوابة القصر تشير الى ان هذا القصر هو (النادي الترفيهي للصحفيين) وفي داخله لا اثر لنادٍ ولا لصحفيين!
في العام الماضي، استغرق (اللامي) في عاطفته الجياشة؛ واستغل حاجة وعوز الرواد وكبار السن من الصحفيين والذي هو من يتحمل وزر معاناتهم، لـ "يتسول" باسمهم (5) مليارات دينار! قام بحبسها فوراً في حسابات النقابة الحصينة. ومن يجرؤ من الصحفيين المرضى والمستحقين على تقديم طلب للعلاج فعليه أن يخوض غزوة إدارية يجتاز فيها الموانع والحواجز والأعذار والإذلال ، حتى يندم على الساعة التي فكر فيها بطلب الإعانة.. إلا إذا كان طبعاً من المرضي عنهم في البلاط النقابي!
لم يقف هذا الفن الإحتيالي عند حدود جمع الأموال والاستثمارات، بل تعداه إلى تطويع القوانين لصالحه باسم حاجات الصحفيين الانسانية! فعندما شعر نائب النقيب أن قانون النقابة رقم (178) لسنة 1969 بات يهدد عرشه بالبقاء وشارفت ولايته الدستورية على الانتهاء، سارع بالهروب إلى الأمام؛ وذرف دموع التماسيح، وتقدّم بطلب إسترحام إلى لجنة العمل ومؤسسات المجتمع المدني النيابية لتعديل مواد القانون وتمديد رئاسته لولاية ثالثة ورابعة (ليصبح النقابي الوحيد المستثنى من قانون الولايتين)! ولأن الدراما التراجيدية كانت متقنة، فقد كتب طلبه النيابي باَهات الضيق والحزن، وأنين الهم والمرض، باكيا شاكيا متوسلا كاتبا: (إن التعديلات تعد من أهم ما تقتضيه الحاجة لضمان حقوق الصحفيين المهنية والتقاعدية، وتحسين بيئة العمل وتوفير الدعم القانوني والدفاع عن الحريات)! .. انطلت الخدعة على اللجنة النيابية، فنال الولاية الابدية التي تفتح ابواب التجديد امامه دون اعتراض من احد وأعلن انتصاره على غرماءه، ثم ركَن حقوق الصحفيين التي تباكى لاجلها على الرف، وضرب بكل وعوده معهم عرض الحائط!
وأمام هذه المهازل .. لابد من وقفة جادة بوجه هذا الأفاق الذي جاءت به الاقدار لتدمير الصحافة من الصحفيين الاحرار احتراما لقدسية مهنتهم واقلامهم، وانهاء حالة الاحباط والقنوط التي انتابت نفوسهم وتحطيم الهالة الخادعة التي أحاط (اللامي) بها نفسه. لقد حان الوقت لوضع خارطة طريق لتفكيك العصابة المهيمنة على مقدّرات النقابة، وإصدار بيان النهاية لهذا العبث، قبل أن نجد أنفسنا جميعاً في عداد المندحرين امام طغيان الفساد النقابي.
خالد الخفاجي (كاتب صحفي ورئيس جمعية تعنى بالدفاع عن حرية الصحافة ومحاربة الفساد)


PM:12:11:09/10/2026

ئه‌م بابه‌ته 324 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌