رؤية في تحولات الإقليم: من جبهات اليمن إلى قلب العراق
عدنان صگر الخليفة
من يقرأ تاريخ المنطقة بعين العارف بطبائع القبائل وموازين السياسة، يعلم جيداً أن التحركات العسكرية والسياسية الكبرى تُقاس بحسب التغيرات الميدانية وتوازنات القوى على الأرض بعيداً عن الانحياز لأي طرف. وما شهدته الساعات الماضية على الساحة اليمنية من تصاعد عسكري، يمثل تحولاً في مسار المواجهات بين ما تُسمى بالقوات الحكومية الشرعية والقبائل المساندة لها من جهة، وبين جماعة أنصار الله الحوثيين من جهة أخرى. إن رصد حركة النزوح السكاني نحو مراكز الإيواء والإغاثة يوضح تكتيكاً ميدانياً أدى إلى تغيير الكثافة الديموغرافية في مناطق التماس وتفريغ ساحات المواجهة، بينما اتجه الطرف المهاجم إلى تقديم تحركاته تحت عنوان استعادة مؤسسات الدولة وتأمين الممرات البحرية حاشداً الدعم الإقليمي والدولي في هذه الجولة.
هذا المشهد الميداني في اليمن يترابط مع مشهد إقليمي أوسع شهدت فيه المنطقة تراجعاً متسارعاً في نفوذ ما يُعرف بالمحور الإقليمي. فبعد المتغيرات الأخيرة في سوريا، وما أصاب خطوط الإمداد والتواصل الجغرافي، إلى جانب انخفاض قدرات التأثير والتحرك العسكري في ساحتي لبنان وغزة، أصبحت التحركات الجارية لتفكيك أو تحجيم نفوذ جماعة أنصار الله في اليمن جزءاً من تراجع متسلسل لأذرع هذا المشروع في المنطقة، مما جعل العمق الإيراني في مواجهة مباشرة مع الضغوط الخارجية دون الساحات الخطوط الدفاعية السابقة.
وبالتوازي مع هذه التطورات الميدانية، تحرك المسار الدبلوماسي الدولي من خلال مساعي واشنطن والقوى الغربية لإعادة إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي بداعي عدم الالتزام ببعثات التفتيش الدولية. هذا التقاطع بين الضغط العسكري الميداني في اليمن وشرق المتوسط، والضغط القانوني في المؤسسات الدولية، وضع صانع القرار في طهران أمام تضييق في خيارات المناورة، وهو ما انعكس في تباين التصريحات والسجالات بين التيارات السياسية في الداخل الإيراني بالتزامن مع الضغوط الاقتصادية والمعيشية.
إن هذا التزامن بين المسارين الميداني والدبلوماسي يعكس توجهاً لدى القوى الدولية والإقليمية لإعادة صياغة الخارطة الأمنية في الشرق الأوسط. ولم يعد التركيز منصباً على إدارة الصراعات أو الهدن المؤقتة، بل على تثبيت معادلات جديدة تعتمد على تقوية الحكومات والجيوش الرسمية، وإعادة السيطرة على خطوط التجارة والملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب وشرق المتوسط، وتجريد الفصائل والحركات المسلحة من نفوذها الميداني.
وأمام هذه التغيرات المتسارعة التي تطوق المنطقة في دائرة متكاملة، يتجه النظر إلى وضع العراق باعتباره الحلقة المتبقية والأساسية في هذه الجغرافيا السياسية. وأمام هذه المعطيات المتشابكة، يبقى السؤال الجوهري والأساسي مطروحاً كما هو أمام الشارع العراقي والقوى السياسية والاجتماعية: ماذا سيكون حال العراق بعد انتهاء هذه الأحداث؟
PM:12:55:08/09/2026
ئهم بابهته 200
جار خوێنراوهتهوه