الخصوصية الإعلاميَّة في عصر الذكاء الاصطناعي
حسين محمد الفيحان
يشهد العالم تحولا رقميا متسارعا أعاد تشكيل منظومة الإعلام وأدخل الذكاء الاصطناعي، بوصفه أحد أبرز أدواتها المؤثرة في إنتاج الأخبار وتحليل البيانات ورصد اتجاهات الجمهور وصناعة المحتوى وتوزيعه.
وعلى الرغم من الفرص الكبيرة التي أتاحتها هذه التقنيات للمؤسسات الإعلامية، فإنها فرضت في المقابل تحديات غير مسبوقة تتعلق بالخصوصية وأمن المعلومات وحدود استخدام البيانات الشخصية ومدى مشروعية توظيفها في العمل الصحفي.
وتكتسب الخصوصية الإعلامية أهمية استثنائية في البيئة الرقمية، إذ لم تعد المعلومات الشخصية تقتصر على الاسم أو الصورة أو البيانات المباشرة، بل أصبحت تشمل أنماط السلوك والموقع الجغرافي وسجل التصفح والاهتمامات والتفاعلات الرقمية، وهي بيانات يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تحليلها وربطها ببعضها لاستنتاج معلومات لم يصرح بها أصحابها أصلا.
ومن هنا تبرز إشكالية جوهرية تتمثل في التوفيق بين حق الجمهور في المعرفة وحق الفرد في حماية حياته الخاصة. وتزداد خطورة هذه الإشكالية عندما تستخدم المؤسسات الإعلامية أدوات الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات أو تحليلها دون ضوابط واضحة، فقد يؤدي الاعتماد غير المسؤول على الخوارزميات إلى كشف بيانات حساسة أو إعادة نشر معلومات شخصية خارج سياقها أو إنتاج محتوى يستند إلى بيانات غير دقيقة.
كما أن تقنيات التزييف العميق قادرة على إنتاج صور وتسجيلات ومقاطع فيديو تبدو حقيقية، الأمر الذي يهدد خصوصية الأفراد وسمعتهم ويضعف ثقة الجمهور بالمحتوى الإعلامي.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى حماية الخصوصية بوصفها عائقا أمام التطور التكنولوجي، بل باعتبارها شرطا أساسيا لاستدامة الإعلام الرقمي ومصداقيته.
فالمؤسسة الإعلامية المسؤولة مطالبة بوضع سياسات واضحة لجمع البيانات واستخدامها وتخزينها والاقتصار على المعلومات الضرورية، لتحقيق الغرض الصحفي مع التحقق من مصادرها ومراعاة الموافقة والحقوق القانونية والأخلاقية للأفراد.
كما تبرز ضرورة تطوير التشريعات المنظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الإعلامي، بما يضمن المساءلة والشفافية ويحدد المسؤولية عن الأخطاء والانتهاكات الناتجة عن الأنظمة الخوارزمية ولا يقل عن ذلك أهمية تأهيل الصحفيين لفهم آليات الذكاء الاصطناعي ومخاطره وترسيخ ثقافة مهنية تجعل حماية الخصوصية جزءاً من أخلاقيات المهنة لا مجرد التزام قانوني فقط.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي لا يتمثل في القدرة على الوصول إلى المعلومات وانما في القدرة على معرفة ما يجوز الوصول إليه وما ينبغي حمايته وما يجب الامتناع عن نشره ولذلك فإن مستقبل الإعلام لن يُقاس بمدى امتلاكه لأحدث التقنيات فحسب بل بقدرته على تحقيق معادلة دقيقة بين الابتكار والمسؤولية وبين حق المجتمع في المعرفة وحق الإنسان في الخصوصية.وهنا يمكن القول: تبقى التكنولوجيا أداة بينما تظل الأخلاق المهنية هي البوصلة التي تحدد اتجاه استخدامها فكلما ازداد الذكاء الاصطناعي قدرة على جمع المعلومات وتحليلها ازدادت مسؤولية الإعلام في صون الإنسان وكرامته وخصوصيته.
AM:10:35:02/09/2026
ئهم بابهته 300
جار خوێنراوهتهوه