ثقافة التقارير السرية، ماذا أثمرت؟

‌فلاح المشعل

نشأت ثقافة التجسس على الآخر في العهد الملكي، بجهود مديرية الأمن العام، وكانت هذه المهمة تُناط بالشرطة السريين، وكان جلّ عملهم مراقبة السياسيين والشيوعيين تحديداً، لأنهم كانوا معارضين للحكم الملكي، وبعد نهاية الملكية ومجيء الجمهورية، اتسعت المهمة لتشمل وكلاء يعملون مخبرين، وكانت التقارير تُعمّم على دوائر ومؤسسات الدولة، وانتمى إلى هذا الرهط المشبوه والمنحرف أسماء وعناوين من نساء ورجال يعملون في قطاعَي الفن والإعلام، إضافة لبقية الدوائر المدنية والعسكرية، وهناك من يقول إن هذه الظاهرة انتشرت أيضاً بين بعض رجال الدين، وتركزت في المدن المقدسة.
ثقافة الوشاية تأتي بعد التجسس على الآخر، ومعرفة ما يخفيه من خصوصيات في حياته، وهي واحدة من ركائز أنظمة الاستبداد وأنشطة دوائرها الأمنية والمخابراتية، إذ تقوم تلك الدوائر بطبخ التقارير وتحويلها إلى إجراءات عقابية قاسية، وسجون طويلة، وعمليات إخفاء لآلاف الشباب، كما أنهت حياة الآلاف من العراقيين رجالا ونساءً، وتسببت في هتك الأعراض، وتدمير العوائل وتهجيرها، وكانت واحدة من علامات تدهور البيئة الاجتماعية في بُعدها الأخلاقي والإنساني، كما أرادها نظام البعث الصدامي الذي جعل من هم بمستوى وزراء وقادة في الحزب والدولة يخضعون للرقابة السرية والوشاية والتعاطي معها كمنهج نضالي - دكتاتوري!
وبعد سقوط نظام صدام الاستبدادي ومجيء نظام المحاصصة العرقية والطائفية، وهيمنة سلوكيات الفساد والحرمنة والنهب من قبل أحزاب السلطة وميليشياتها، أثمرت ثقافة الوشاية والتجسس وكتابة التقارير السرية لتنتج لنا "المخبر السري" في تطور إجرامي بلا ضمير وبلا روح ، الذي أدى، وعلى نحو مضاعف، إلى ارتكاب جرائم، خصوصاً في بيئة الشحن الطائفي وانتشار الإرهاب الإسلاموي والطائفي.
شعرت بأسى وأنا أقرأ عن دعوة رئيس الوزراء المحترم أعضاء هيئة النزاهة إلى اعتماد مكافآت تشجيعية لمن يُبلّغ عن الفساد! نعم، ربما يكون هذا الإجراء مقبولاً لو جاء في بيئة احتماعية نظيفة وثقافة مواطنة والتفكير بمصالح الوطن العليا في وعي وطني لدى الجميع، لكن وسط التشرذم وصراع الأحزاب وتنافسها على المال والنفوذ، سوف يصبح عمل المخبر السري جزءاً من اسقاط الآخر وسلاحاً إضافياً في المنازعات، وإلا كيف تم تسجيل 26 ألف اخبار عن الفساد في وقت قياسي؟
ليس بهذه الطرق البالية نقضي على الفساد، بل ينبغي تتبّع أسبابه الجوهرية الكامنة في بنية النظام السياسي، وهيمنة الأحزاب الفاسدة على السلطة التنفيذية. وإزاء وضع مستتب منذ عقدين، لا تستطيع جهود الوشاية أن تفككه، وكيف تعمل هيئة النزاهة وغيرها من الأجهزة الرقابية، إذا كان الفساد يقف خلف سياج آمن عنوانه أحزاب قوية، ولديها ميليشيات مستعدة لارتكاب أية جريمة مقابل المليارات التي تُنهب؟
يا رئيس الوزراء، وكل من يهتم بمكافحة الفساد، إذا لم تستطيعوا تحرير الوزارات ودوائر الحكومة من هيمنة السلطة السياسية، يمكن الاستعانة بتطبيقات وبرامج حديثة ومحكمة في مراقبة عمل مؤسسات الدولة، وغلق منافذ الفساد التقليدية أو تخفيفها إلى درجة كبيرة، ويمكنني أن أدلّكم على بعضها إن رغبتم!
ينبغي تطوير وتوسيع عمل دوائر الرقابة والرصد والمتابعة والشفافية، بالتزامن مع قضاء عادل، وتثقيف إعلامي جاد، فتلك هي السبل المثلى لحماية المجتمع والدولة من الفساد، وليس من خلال "المخبر السري" والوشاية وما ينتج عنهما من آثار سلبية وخيمة !


PM:07:10:30/08/2026

ئه‌م بابه‌ته 260 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌