حقوق الكورد بين تسوية سوريا وتجربة إقليم كردستان العراق بشائر مرحلة جديدة قادمة

‌حسن أمين البرزنجي

​إن أهم ما يجب التوقف عنده في هذه اللحظة التاريخية الفارقة، هو أن الكورد اليوم يحضرون كـ مفاوض أصيل وطرف مباشر في تقرير مصيرهم وقضيتهم القومية، وليسوا غائبين أو مادة للصفقات كما حدث في المحطات المظلمة من التاريخ؛ فلم تعد جغرافيتهم وحقوقهم تُحسم بين الإمبراطوريات بمعزل عنهم كما في "معاهدة أماسيا" (1555) أو "قصر شيرين" (1639)، ولم تعد خريطتهم تُقسَّم بإرادات خارجية وتفاهمات استعمارية كـ "سايكس بيكو" (1916)، أو تُسقط حقوقهم في أروقة المؤتمرات الدولية كما حدث في "معاهدة لوزان" (1923) التي ألغت مكاسب "سيفر" (1920). اليوم يفرض الوجود الكوردي نفسه على طاولة التفاوض كطرف سياسي وعسكري لا يمكن تجاوزه في معادلات سوريا والمنطقة.
​ومن هذا المنطلق، فإن العمل السياسي لا يعترف بالثوابت المطلقة، بل يُدار بتحولات مفاجئة ومنعطفات غير متوقعة تتطلب قراءة دقيقة وبعد نظر بعيداً عن الانفعال المرحلي. فالقيادة الرشيدة هي التي تضع في حسبانها دوماً معادلات المنطقة المعقدة وتوازناتها المتغيرة، وتستوعب أن الحكمة تكمن في قراءة التحولات الإقليمية وتسخيرها لصالح المصلحة القومية العليا بدلاً من الاصطدام بها.
​وبناءً على هذا الحضور التفاوضي الحاسم، فإن الإعلان عن حلّ «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) ومؤسسات الإدارة الذاتية لا يُمثّل إطلاقاً نهاية للدور الكوردي .
بل يشكّل بشارة تاريخية وفاتحة عهد جديد لإعادة تموضع القضية الكوردية؛ بالانتقال المظفّر من نموذج "السلاح والتنظيمات المؤقتة" إلى "التثبيت الدستوري الدائم والناجز للحقوق" داخل أروقة الدولة السورية .
​إن هذا التحول المفصلي يعيد إلى الأذهان ذات البشائر والتطورات الملهمة التي شهدها كورد العراق عقب اتفاقية 11 آذار 1970.
تلك النقلة التاريخية التي تحولت فيها المطالب المبدئية بالاعتراف الثقافي والإداري إلى اللبنة الأساسية والركيزة الأولى التي أفضت - بعزيمة النضال واستثمار المتغيرات - إلى تأسيس إقليم كردستان المعترف به رسمياً في الدستور الاتحادي بكامل مؤسساته التشريعية والتنفيذية والأمنية (البيشمركة).
​كما تمثل هذه التسوية طياً نهائياً لعقود طويلة من الإجحاف وسياسات التهميش القومي التي زُرعت في عهدي حافظ الأسد وابنه بشار الهارب المحكوم عليه بالاعدام غيابيا .
حيث عانى الكورد من الحرمان التعسفي من الجنسية إثر إحصاء عام 1962 الاستثنائي، وتجريدهم من أرضهم وحقوق المواطنة وحتى يحب الجنسية منهم ، فضلاً عن سياسات التغيير الديمغرافي الجائر المعروفة بـ «الحزام العربي» في الجزيرة والتي اقتطعت الأراضي واستقدمت الوافدين لتغيير طبيعة المنطقة. وتأتي المرحلة القادمة لتطوي هذه الحقبة كلياً عبر وقف سياسات التغيير الديمغرافي، ومعالجة قضية المرحلين والمهجرين، وإعادة الحقوق العقارية والمواطنة الكاملة لأصحابها الأصليين في إطار دولة القانون.
​وفيما يلي أبرز المكاسب والبشائر الاستراتيجية للمرحلة القادمة:
اولا : ​الاعتراف باللغة والهوية وتصفية إرث التهميش:
اي ترسيخ اللغة الكوردية رسمياً لحماية الهوية، وإنهاء عقود الإنكار وسياسات التجريد من الجنسية لتكريس المواطنة الكاملة.
ثانيا :​إنهاء سياسات "الحزام العربي" وإعادة الحقوق:
أي الوقف الكامل والنهائي لنتائج سياسات التغيير الديمغرافي، وتسوية ملفات المرحلين والمهجرين وإعادة الحقوق العقارية لأصحابها بحلول عادلة وسليمة.
ثالثا : ​المشاركة في القرار السياسي:
تمثيل الكورد في الرئاسة والبرلمان والدبلوماسية للانتقال إلى قلب السلطة المركزية وصنع القرار.
رابعا : ​شرعية الوجود الأمني: دمج القوات الكوردية رسمياً في مؤسسات الدولة لمنحهم حماية وشرعية مستدامة.
خامسا : ​فك العزلة والدبلوماسية:
أي بناء علاقات إقليمية ودولية تُسقط ذرائع استهداف الكورد وتمنحهم غطاءً سياسياً.
سادسا : ​التثبيت الدستوري:
وذلك بتحويل القوة العسكرية إلى حقوق دستورية دائمة تُمهد لبناء نظام لامركزي مستقبلي كإقليم كردستان العراق.
​خلاصة مايدور ومانفهمه :
​إن المصلحة الكوردية العليا لم تكن يوماً مرهونة بأسماء تنظيمية أو مسميات مرحلية كـ «قسد» أو «الإدارة الذاتية»، وإنما في نيل الحقوق الجوهرية الثابتة وإنهاء حقبة المظالم التاريخية.
وكما بدأ كورد العراق مسارهم بالاعتراف الثقافي والإداري وتوّجوه بإقليم دستوري مستقل الذات، فإن هذه التسوية في سوريا تفتح أفقاً تاريخياً مماثلاً يتجاوز تركة الحزام العربي وإحصاءات الغدر والنهميش والاقصاء .
​إن حل «قسد» والانخراط في مؤسسات الدولة يمثل انتصاراً سياسياً وانتقالاً استراتيجياً ينقل القضية الكوردية من خطوط النار إلى أروقة التشريع، ليغدو المعيار الوحيد والنهائي للبشارة هو:
ما يُكتب ويُثبت رسمياً في دستور سوريا الجديد.


PM:04:47:28/08/2026

ئه‌م بابه‌ته 172 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌