العراق بين كماشتين.. هل يستطيع الزيدي إنقاذ حكومته؟
أثير الشرع
لم يعد الصراع الأميركي ـ الإيراني مجرد مواجهة عسكرية أو تبادل للتهديدات، بل دخل مرحلة أخطر وهي مرحلة الخنق الإقتصادي، واشنطن تتجه إلى توسيع العقوبات الثانوية على كل من يتعامل مع إيران، والرسالة الأميركية أصبحت واضحة: من يريد الإحتفاظ بعلاقاته الإقتصادية مع طهران، عليه أن يدرك أن ذلك قد تكون له كلفة في علاقته بالنظام المالي والإقتصادي الأميركي وفي المقابل، ترد طهران بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الدول التي تشارك في هذه الضغوط.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى العراق:
أين يقف العراق؟ العراق ليس دولة بعيدة عن الصراع فهو جار لإيران، وله معها حدود وعلاقات إقتصادية وتجارية واسعة، وفي الوقت نفسه يرتبط بالولايات المتحدة بالنظام المالي الدولي، وبالدولار، وبعلاقات أمنية وإقتصادية لا يستطيع تجاهلها، ولهذا يمكن القول إن بغداد تجد نفسها اليوم بين كماشتين: كماشة إيرانية تقول إن أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى بمعزل عن طهران، وإن أي ضغط عليها ستكون له تداعيات على دول الجوار؛وكماشة أميركية تقول إن زمن المنطقة الرمادية إنتهى، وإن التعامل مع إيران قد يتحول من خيار إقتصادي إلى مخاطرة سياسية ومالية.
وهنا تبدأ معركة رئيس الوزراء علي الزيدي الحقيقية، فالإختبار المقبل للزيدي لن يكون مجرد إدارة أزمة إقتصادية أو إحتواء خلاف سياسي، وإنما كيف يحافظ على العراق من أن يتحول إلى ساحة صراع بين واشنطن وطهران؟ والتحديات ستكون على ثلاثة مستويات:
إقتصادياً:
أي تشديد للعقوبات على إيران قد ينعكس على التجارة والطاقة والتحويلات والأسواق العراقية، فضلًا عن حساسية النظام المصرفي العراقي تجاه العقوبات الأميركية، وهذه ليست مسألة نظرية، فالولايات المتحدة تملك أدوات ضغط مالية تستطيع من خلالها معاقبة كيانات خارج حدودها.
أمنياً:
إذا قررت واشنطن تصعيد الضغط على الفصائل المرتبطة بإيران، وإذا ردت تلك الفصائل، فإن العراق قد يجد نفسه أمام معادلة خطيرة: الدولة تريد النأي بالنفس، بينما أطراف داخلية قد ترى أن المواجهة مع الولايات المتحدة جزء من صراع أكبر، وقد أصبح ملف حصر السلاح بيد الدولة أصلًا أحد أكبر الإختبارات التي تواجه حكومة الزيدي، مع إقتراب موعد الإستحقاقات المرتبطة بهذا الملف.
سياسيًا:
وهنا ربما يكون الخطر الأكبر، لأن الأزمة الأميركية ـ الإيرانية يمكن أن تتحول إلى أداة لإعادة ترتيب البيت السياسي العراقي، وهنا يجب أن نكون دقيقين: لا توجد، بحسب المعطيات المتاحة الآن، أدلة قاطعة تسمح بالقول إن هناك قرارًا خارجيًا أو داخليًا متفقًا عليه لإسقاط حكومة الزيدي، لكن يمكن القول إن هناك بيئة سياسية يمكن أن تنتج محاولات لإضعاف الحكومة أو تقصير عمرها إذا فشلت في إدارة التوازن بين واشنطن وطهران.
فالحكومة التي لا تستطيع إرضاء واشنطن قد تتعرض لضغوط اقتصادية وسياسية، والحكومة التي تصطدم بطهران وحلفائها قد تواجه ضغوطًا أمنية وسياسية داخلية، والحكومة التي تحاول إرضاء الطرفين قد تجد نفسها متهمة من الطرفين بأنها لا تذهب بعيدًا بما يكفي.
وهذه هي المفارقة الكبرى؛الزيدي اليوم لا يدير حكومة في ظرف طبيعي؛ إنه يدير حكومة في قلب إعادة تشكيل إقليمي، وقد سبق أن ارتبطت زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد بالحديث عن النظام الإقليمي الجديد، فيما تركز واشنطن في الوقت نفسه على دور العراق وأمنه وعلاقاته مع الفصائل الموالية لإيران، لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع الزيدي البقاء؟
بل: هل يستطيع الزيدي أن يجعل بقاء حكومته مصلحة للعراق، وليس مجرد نتيجة لتوازنات القوى؟
إذا نجح في حماية الإقتصاد العراقي، وضبط السلاح، ومنع إستخدام الأراضي العراقية في الصراع الأميركي ـ الإيراني، وفتح قنوات متوازنة مع واشنطن وطهران والعواصم العربية، فقد تتحول الأزمة من تهديد لحكومته إلى فرصة تأريخية لإعادة تعريف الدور العراقي.
أما إذا فشل في ذلك، فقد تبدأ القوى السياسية بتسويق فكرة أن الحكومة عاجزة عن إدارة المرحلة؛وعندها قد لا تحتاج الجهات التي تريد تقصير عمر الحكومة إلى إسقاطها مباشرة؛ يكفي أن تُترك للأزمة كي تفعل ذلك فالخطر على حكومة الزيدي قد لا يأتي من خصم واحد، وإنما من تقاطع مصالح عدة أطراف ترى أن إضعاف الحكومة يخدم أهدافها.
ولهذا أعتقد أن المرحلة المقبلة ستضع الزيدي أمام أصعب إختبار: هل يستطيع أن يمسك العراق من المنتصف، أم أن الكماشتين الأميركية والإيرانية ستجبران بغداد في النهاية على الإختيار؟
والأخطر من ذلك كله:
إذا طُلب من العراق أن يختار، فهل يملك الزيدي أصلًا القدرة السياسية على أن يقول: العراق أولًا؟
PM:04:53:24/08/2026
ئهم بابهته 316
جار خوێنراوهتهوه