خديعة الخشبة: في سيكولوجية الإخضاع وهندسة الوهم العام
عدنان صگر الخليفة
من أعظم المفارقات التي تواجه الفاحص في شؤون الجماعات البشرية، ليست قدرة السلطة على نسج الأكاذيب وتصديرها، بل ذلك التواطؤ الصامت والمخيف الذي تبديه الجماهير في تقبل الوهم والتشبث به كمن يلتجئ إلى ظل واهن يحميه من لفح هجير الحقيقة. إن التساؤل الذي ينبغي أن يطرحه كل ذي فكر اجتماعي سليم لا يتعلق بماهية الصدق في الفضاء العام، بل بكيفية تحول "الكذبة الكبرى" إلى صبغة وجودية تفرض نفسها على العقل الجمعي، حتى يستحيل العيش دونها، ويغدو كشف الزيف جرماً يهدد السكينة النفسية للمجتمع نفسه. هنا يكمن سر القبول الجماعي بالمسرحية؛ حيث يفضل الإنسان، تخلصاً من مرارة الإخفاق وعقم البدائل، أن يشارك بوعيه في عملية "الضحك على الذقون"، متخذاً من تصديق العرض البراق درعاً نفسياً وآلية دفاعية للتعايش، ليتحول الشارع من ضحية للخداع إلى حارس أمين يحمي جدران هذا المسرح من التصدع.
وفي هذا المعبد المسرحي الكبير، يبدو الكاهن الأكبر أو رئيس السلطة التنفيذية مجرد ممثل تراجيدي يُمنح دور البطولة الزائفة بينما كُتبت عباراته وحركاته سلفاً وراء الأبواب المغلقة. فهل تملك حقاً تلك الحكومات التي تولد من رحم التسويات الحزبية في غرف بغداد المعتمة أي قدرة على كتابة برامجها، أم أن ما يُسمى بالبرنامج الحكومي ليس سوى رتوش شكلية وديباجة بروتوكولية تمليها إرادة القوى الفئوية الحاكمة؟ إن التحليل الفلسفي لطبيعة هذا الصعود والهبوط يقودنا مباشرة إلى دورة حياة "الواجهات المستعارة"؛ إذ جرت العادة التاريخية أن تلتف المنظومة وصناع الاتفاق حول رأس السلطة في مستهل عهده، تسبغ عليه توصيفات الخلاص وتغدق عليه هالات القداسة كحكومة خدمة وإصلاح لانتزاع شرعية مؤقتة، لتترك له فسحة ضيقة للمناورة لا تتعدى حدود مصالحهم. ولكن، ما إن تنضب ينابيع السيولة المالية التي تبخرت بملياراتها الفلكية وتُبدد الأصول، حتى ينقلب المخرجون على بطلهم التراجيدي، فيتنصلون من فشله بدم بارد ويقدمونه للجمهور كبش فداء لحماية بقائهم الفئوي، ممهدين بذلك الستار لعرض جديد وممثل آخر.
على أن هذا المسرح المحلي لا يمكن فهم فصوله بمعزل عن "الغرفة الكبرى" للقرار، تلك الغرفة الإمبراطورية التي صممت أسس البناء الأصلي عام ألفين وثلاثة وصاغت حدوده ونصوصه الأولى. وعندما ترتسم ملامح العلاقة بين بغداد وواشنطن، فإن التساؤل الجوهري يتمحور حول فلسفة هذه اللقاءات التي تسمى مجازاً بالزيارات الرسمية؛ فهل يملك الجانب العراقي حقاً حرية التقرير والمبادرة بطلب اللقاء وصياغة توقيته، أم أن ما يجري هو آلية مانحة للقبول لا تمنحها واشنطن إلا وفق شروط اختيار صارمة تطال حتى الشخوص والوفود المسموح لها بالعبور؟ إن تدبر هذا السلوك يكشف بوضوح أن هذه الرحلات ليست تحركات بروتوكولية يقررها المزار متى شاء، بل هي "دعوة مثول" مقيدة برخصة إمبراطورية تحدد من يحضر ومن يُستبعد. ولهذا، فإن حضور رأس السلطة التنفيذية إلى البيت الأبيض يبدو في عمقه استدعاءً بروتوكولياً محضاً، صُمم لإعطاء جرعة شرعية مؤقتة للواجهة المحلية مقابل إخضاعها بالكامل لأجندة المصالح الكبرى لمالك المسرح الأصلي. ألم يكن هذا الاستدعاء العاجل وبمواقيت حددتها الإرادة الأمريكية بمفردها، محاكاة دولية مطابقة تماماً لآلية الاستدعاء الداخلي التي تمارسها الأحزاب الحاكمة في بغداد عندما تستجوب واشنطن صنيعتها لتسليمه شروط البقاء؟
إن سبر أغوار هذا الاستدعاء يقودنا إلى تفكيك لغة الجسد والمفردات المنتقاة بعناية في الغرفة البيضاوية؛ فكيف نقرأ فيض الكلمات الحميمة والمودة المفرطة التي أسبغها ترامب على ملامح وشخص رئيس الحكومة العراقي؟ ألا يبدو هذا المديح الاستعراضي، مع التلميح الضمني بقدرة واشنطن على ضرب الخصوم وإزاحتهم لرسم ملامح هذا العهد، بمثابة صك شرعية علني يُمنح لهذه الواجهة أمام غرف بغداد المتصارعة؟ إن الإيحاء الإمبراطوري بتبني هذه الحكومة وتعبيد طريقها يحمل في طياته رسالة مشفرة إلى الفواعل الإقليميين والجيران؛ رسالة مفادها أن هذا الهيكل التنفيذي قد صُمم بقرار وإرادة وتوجيه من المنتج الحقيقي للرواية، وبالتالي لا بد للجميع من التفاعل معه على هذا الأساس والامتثال للأجندة المحددة له.
في هذا السياق، لم يعد دور الواجهة الحكومية مقتصراً على إدارة شؤون يومية رتيبة، بل أُنيط بها تمثيل دور "اللاعب الملتزم" ضمن خارطة طريق جيوسياسية أكبر تستهدف صياغة مجتمع إقليمي متكامل تدير واشنطن موازينه واقتصاده من خلف الستار. إن الحفاوة الاستثنائية والاحتضان المفرط في المكتب البيضاوي لم يكن في عمقه سوى فخ بروتوكولي محكم لإحراج رئيس الحكومة وتجريده من مناوراته الإقليمية، وإرغامه على حمل حقيبة مليئة بالتزامات تقنية حاسمة تمس مفاصل المصارف والحدود والموانئ.
هنا يرتفع منسوب الاستشراف الفلسفي ليتساءل: هل غادر رئيس الحكومة عاصمته يحمل تفويضاً وخططاً حزبية تسويغية، ليعود إليها وقد حُشر في زاوية ضيقة تحمل شروط إخضاع "ترامبية" خاصة وقاسية لا تلتقي مع شروط بغداد إلا في بريق الشاشات؟ إن صح هذا الافتراض، فإننا أمام صدام حتمي وقريب بين برنامج تقني وسيادي مفروض من الخارج، وبين مصالح شبكات مالية وأمنية تعتاش عليها أحزاب الداخل. ولعل التساؤل الأكثر رهبة يكمن في ما إذا كانت الإدارة الإمبراطورية قد أيقنت أخيراً أن ممثلي مسرحيتها العراقية قد شردوا طويلاً عن النص الأصلي، وأن هيكل المسرح برمته بات مهدداً بالانهيار بسبب الفوضى والخروج عن قواعد الانضباط المالي والحدودي. إن ما تشهده الساحة اليوم قد لا يكون مجرد جولة تفاوض عابرة، بل هو كتابة الخاتمة الحتمية لرواية استمرت لعقود، حيث لم يعد أمام الغرف المحلية المتخادمة سوى القبول الكامل بشروط الامتثال والوصاية الاقتصادية المطلقة، كفرصة أخيرة لضمان البقاء تحت ظلال صانع المسرحية الأصلي، أو مواجهة السقوط المدوي خارج خشبة العرض.
PM:05:05:17/07/2026
ئهم بابهته 188
جار خوێنراوهتهوه