لعنة سراق الحقوق تفاقم مأساة الشعب

‌لمياء العامري

لم يكن تاريخ العراق ، على مر ازمنته سوى سردية مثقلة بالخذلان ، تتكرر فيها الفصول بتغير العناوين ،فالشعب ، منذ امد بعيد، يرزح تحت وطأة حكومات تجيد الالتفاف على حقوقه، حتى غدا الحرمان عنده كأنه قدر مبرم ، لاطاريء عابر.
ان اخطر ما يعتري الاوطان ليس شح الموارد ، وانما استباحة الحقوق تحت مسميات ملتبسة يراد بها تسويغ العبث بالمال العام.
في الوقت الذي تشهر سيوف التقشف في وجه الموظف والمتقاعد والفقير ، وتقوض مخصصات اقرتها نصوص قانونية نافذة ، تتبدد الاموال في مسارب لا طائل منها ، بين احتفالات مترفة ونفقات مسترسلة لا تمت الى حاجات المواطن باي صلة ، وهنا تتجلى مفارقة صارخة ، زهد مفتعل يفرض على الضعفاء ،وسرف مقنع يباح لاهل الحظوة ، ومن زاوية قانونية صارمة ، ينهض استفهام لا يحتمل المواربة "باي مسوغ تنفق الاموال خارج ضوابطها المقننة؟ وكيف يستساغ تعطيل حقوق كفلتها القوانين وابرمتها التشريعات "؟.
ان مبدأ سيادة القانون لا يستقيم الا اذا كانت السلطة مقيدة به ، لا متفلتة منه، فالمال العام وديعة سيادية ، لا متاع مستباح ، ولا يصار الى التصرف به الا في حدود ما يحقق المنفعة العامة للشعب.
ان الواقع يكشف اختلالا بنيويا في ميزان العدالة ... امتيازات تسبغ بلا استحقاق ، ونثريات تغدق بلا حساب ، في حين يترك المواطن يواجه عسره مجردا من ابسط ضمانات الكرامة.
بهذه الالية المقيتة يستنزف المجتمع من قاعدته ، بينما تتضخم قمته على حسابه ،
افلا يحق لنا ان نتساءل متى تنبثق حكومة تجسد معنى الرعاية لشعبها وليس الهيمنة عليه وعلى ثرواته ؟ متى يتصدر المشهد قائد يقدم مصلحة الناس على نوازع الفئوية الضيقة ؟ متى تصان ثروات بلدنا بما يليق بقدسيته ، وتدار بعين الامانةلا بعين المغنم ؟
لقد سطر التاريخ مثالا ناصعا في النزاهة ، يتجلى في سيرة الامام الزاهد علي بن ابي طالب كرم الله وجهه ، الذي كان يرى في المال العام حقا للامة لا مجال ولا مسوغ للعبث به ، وقد نقل عنه قوله ،"والله لو اعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاكها على ان اعصي الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلت” ، مجسدا واقعة اخلاقية قائمة وليست عابرة وهي معيار يقاس به صدق الحكم وعدله ، كما احسن الشاعر في تصوير اثر فساد القمة في القاعدة بقوله " اذا كان رب البيت بالدف ضاربا فشيمة اهل البيتِ كلهم الرقص"، وهو تصوير مكثف لانعكاس اختلال القيادة على مجمل البنية.
كما ان استرداد الاموال المنهوبة ، واخضاع العابثين بها للمساءلة العلنية العاجلة ، ليس ترفا خطابيا بل ركيزة اي مشروع دولة تتوخى العدل والامانة ، فلا قيامة لوطن يستباح فيه المال العام، ولا استقرار لمجتمع تهدر فيه الحقوق ، ومع ذلك ، يبقى املنا معقودا على وعي جمعي يتنامى ، يدرك ان التغيير لا يستجدى والحقوق لا تعطى، وانما تنتزع انتزاعا عبر ارادة صلبة ، تعيد للحق اعتباره ، وللوطن هيبته ، وللانسان كرامته .. حينئذ فقط ينقشع هذا الليل ، ويغدو السؤال عن الخلاص جزءا من ذاكرة مضت ، لا واقع يعاش.


PM:02:27:05/04/2026

ئه‌م بابه‌ته 312 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌