خدم الملوك...

‌رسول عبيد الشبلي

لا يرتقي الخادم إلى مكانة سيده مهما تقلد من صفات، أو حاول تقليد سيده في الشجاعة أو الكرم أو القوة؛ فهو يبقى خادماً، وتفضح أفعالُه دائماً عقليتَه التي لم تتخلص من رواسب التبعية، إذ يفرط بمظاهر الترف والقسوة الزائدة لإثبات القوة. ولا يخلو العراق العظيم من الملوك والسلاطين الذين تولد معهم صفاتهم التي تميزهم عن الخدم؛ من هيبة ووقار وعزة نفس ووفاء، ومثل هذه الشخصيات تبقى في الذاكرة لا تمحوها ممحاة العبيد الذين حلوا مكانهم.وحتى في العصور القديمة، كانت المجتمعات تميز بين الخادم وسيده من خلال الصفات، فلا يمكن للخادم أن يكون سيداً، وفي الغالب ما يضمر الحقد، فحتى وإن امتدت إليه يد الخير والعون، يقابلها بالخيانه سعياً وراء الحكم؛ ولا يعرف أن الملك أو السلطان هبة من الله يهبها لمن يشاء من عباده، وهي وليدة اللحظة وليست مكتسبة.وبالرغم من قناعتي بهذا الموضوع، تأكدتُ منه جيداً حينما تابعت حلقات خاصة يحاور فيها الإعلامي حميد العبد الله الطيار العراقي (قاسم حسن الدليمي). فبعد أن يروي قصته خلال الحرب العراقية الإيرانية وتحطم طائرته ونجاته بأعجوبة بعد فترة من السير على الأقدام، يذكر كيف استقبله أبناء الجيش العراقي النشامى، واستقبال حكومته له وتكريمه والاحتفاء به بما يستحقه وأكثر. واستوقفني الموقف الذي ذكره عندما أُرسل إليه مسدس وظرف فيه مبلغ من المال ليشتري به خرافاً ينحرها لوجه الله شكراً على عودته سالماً، وكان هذا المال والسلاح من نائب القائد العام للقوات المسلحة، فيما كان كرم القائد العام للقوات المسلحة أكبر من هذا بكثير.وليس بغريب هذا التكريم والحفاوة من حكومة صانت شعبها ووطنها، وماتت على أرضه ولم تغادر ولم تغدر، فالفرق واضح للعيان و"لا تحجب الشمس بالغربال". لكن ما يهز العراقي الحقيقي من أعماقه هي المشاهد التي تلت عام ٢٠٠٣ من جحود لحقوق جنود عراقيين ضحوا بأنفسهم للدفاع عن بلدهم، فلم يجدوا تكريماً، بل سُلبت حقوقهم، وهذا ما يدل على حكم العبيد، وإن حكموا فإن أفعالهم تفضحهم.ويخبرنا التاريخ الذي لا يرحم، ولا يغادر شاردة ولا واردة إلا ويذكرها؛ أن ملكاً سمع صوتاً ينادي "سياسي سياسي"، لكنه في حقيقة الأمر كان "سايساً" يدرب الخيل، فأمر الجند بإحضاره. فقال له الملك: ما هو عملك؟ قال: سياسي. قال الملك: لا، بل أنت سايس، وأريدك أن تسوس هذه الفرس فهي هدية قدمت لي. فساسها الرجل، ثم استدعاه الملك ليخبره عن عيوبها، فرفض وطلب إعفاءه، لكن الملك أصر وهدده بقطع رأسه، فقال الرجل: إن فرسك ليست أصيلة. فأمر بحبسه، وأرسل خلف الوزير (الذي جلب الفرس) فأخبره أنها أرضعت من بقرة بعد أن ماتت أمها عند ولادتها. فأمر الملك بالإفراج عن السايس وإحضاره فوراً، وقال له: كيف عرفت؟ فأخبره أنها لا تأكل مثل الخيل من مكان مرتفع، وإنما تبحث عن الطعام في الأرض كالأبقار. ثم قال له الملك: أريدك أن تسوسني أنا، وأصر على ذلك إصراراً شديداً. فقال له الرجل: أنت لست ابن ملك، وأبوك كان طباخاً! احمرّ وجه الملك غضباً وأمر بحبسه، ثم ذهب إلى أمه يسألها، فأخبرته أن زوجها الملك كان عقيماً، ومع ذلك يتزوج في كل عام ويذبح زوجته بعد تسعة أشهر إذا لم تنجب، فحتى تحمي نفسها اضطرت إلى معاشرة طباخ القصر... فأنجبته.عاد الملك إلى القصر وأمر بإحضار الرجل، ثم صرخ قائلاً له: تباً لك، كيف عرفت سراً خطيراً كهذا؟ رد الرجل: الملوك إذا وهبوا يعطون الذهب والفضة والمال الكثير، أما أنت فإذا رضيت عني قلت "أطعموه"، وإذا غضبت مني حبستني، وهذا من فعل الطباخين! فإذا رضيت حكومة العراق ما بعد ٢٠٠٣ أعادت الحمص المجروش والعدس للحصة التموينية، وإذا غضبت قمعت المطالبين بحقوقهم وزجتهم في السجون، ومهما فعل الخادم لا يرتقي إلى صفات سيده.


PM:04:05:17/09/2026

ئه‌م بابه‌ته 240 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌