المواطن يتعب والحكومة تدلل
مشتاق الربيعي
مع كل أسف، يُعد العراق من أغنى بلدان العالم، ومن الدول التي تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة، ومع ذلك يعيش المواطن العراقي أوضاعًا مالية واقتصادية واجتماعية غير مستقرة وعلى مختلف المستويات.
فالثروة موجودة، والموارد كبيرة، والإمكانات متوفرة، لكن المواطن لا يزال يعاني من ارتفاع الأسعار، وضعف الخدمات، وقلة فرص العمل، وتراجع مستوى المعيشة، في وقت يفترض أن تنعكس فيه ثروات البلاد على حياته اليومية بصورة واضحة.
والعراق لا يمتلك النفط وحده، بل يمتلك ثروات وإمكانات أخرى كبيرة، منها الأراضي الزراعية، والمياه، والثروة الحيوانية، والصناعة، والسياحة، فضلًا عن موقعه الجغرافي المهم وتاريخه الحضاري العريق. إلا أن معظم هذه القطاعات ما زالت بعيدة عن الاهتمام الحكومي الحقيقي، رغم قدرتها على بناء اقتصاد قوي وتوفير آلاف فرص العمل وتنويع مصادر الدخل.
لقد أصبح الاعتماد الكبير على النفط أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي، إذ إن أي تراجع في أسعار النفط أو الإيرادات ينعكس بصورة مباشرة على الدولة والمواطن. وكان من المفترض أن تكون السنوات الماضية فرصة حقيقية لاستثمار العائدات النفطية في بناء قطاعات إنتاجية مستدامة، بدل أن يبقى الاقتصاد رهينًا لمورد واحد.
وكل عام، يشرّع مجلس النواب الموقر موازنات إنفاقية ضخمة، تُرصد فيها أموال طائلة، لكن المواطن يتساءل: أين نصيبه الحقيقي من هذه الموازنات؟ وأين انعكاسها على حياته اليومية؟
فالمواطن لا يبحث عن أرقام ضخمة تُكتب في الموازنة، ولا عن مشاريع تُعلن عبر وسائل الإعلام، وإنما يريد أن يرى أثر ثروات بلده في حياته، من خلال الخدمات وفرص العمل وتحسين مستوى المعيشة وتوفير السكن والرعاية الصحية والتعليم الجيد.
إن الموازنة الحقيقية ليست مجرد أرقام تُقر تحت قبة البرلمان، وإنما هي ما يلمسه المواطن في الشارع والمنزل ومكان العمل. فما قيمة الموازنات الكبيرة إذا بقيت البطالة مرتفعة، والأسعار في تصاعد، والخدمات دون المستوى المطلوب؟
وفي المقابل، أصبحت أعداد العاطلين عن العمل أرقامًا مقلقة، ولا سيما بين الشباب والخريجين الذين أمضوا سنوات طويلة في الدراسة ثم وجدوا أنفسهم أمام أبواب مغلقة. والكثير منهم ينتظرون فرصة عمل حكومية باعتبارها الخيار الأكثر استقرارًا، في ظل ضعف القطاع الخاص وقلة المشاريع الاستثمارية والإنتاجية القادرة على استيعاب هذه الطاقات.
وهنا تبرز مشكلة أخرى، وهي أن الدولة أصبحت أمام أعداد كبيرة من الباحثين عن الوظائف، بينما لا يمكن أن يكون التوظيف الحكومي الحل الدائم لمشكلة البطالة. الحل الحقيقي يكمن في خلق اقتصاد منتج، ودعم القطاع الخاص، وتشجيع الاستثمار، وإعادة الحياة إلى المصانع والمشاريع الزراعية، وتوفير بيئة مناسبة لأصحاب المشاريع.
حتى الموظف الذي يمتلك راتبًا شهريًا لم يعد يشعر بالأمان الاقتصادي، إذ إن الراتب في كثير من الأحيان لا يكفي لمواجهة متطلبات الحياة وارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصًا مع تزايد أسعار المواد الغذائية والسكن والنقل والخدمات. وهكذا أصبح المواطن بين مطرقة البطالة وسندان ارتفاع تكاليف الحياة.
أما المتقاعد، الذي أفنى سنوات طويلة من عمره في خدمة الدولة والمجتمع، فمن حقه أن يعيش حياة كريمة بعد سنوات العمل والعطاء. ولذلك ينبغي أن تكون هناك مراجعة جادة لمستوى رواتب الموظفين والمتقاعدين، بما يتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة ويحفظ لهم كرامتهم وأمانهم الاقتصادي.
كما ينبغي أن تضع الدولة حلولًا حقيقية للمواطنين الذين لا يمتلكون راتبًا أو مصدر دخل ثابت، من خلال برامج حماية اجتماعية عادلة ومنظمة، تضمن لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة، بدل أن يبقى الإنسان بلا دخل ولا فرصة عمل في بلد يمتلك كل هذه الثروات.
وفي المقابل، من الضروري إعادة النظر في الرواتب والامتيازات والمخصصات المرتفعة التي يحصل عليها بعض المسؤولين وأعضاء مجلس النواب والرئاسات الثلاث، والعمل على تقليصها وترشيدها بما ينسجم مع الظروف الاقتصادية للبلاد.
فمن غير المنطقي أن يطالب المواطن بالصبر والتقشف وتحمل ارتفاع الأسعار، بينما تستمر في الجانب الآخر امتيازات ورواتب ومخصصات مرتفعة لبعض أصحاب المناصب. إن العدالة الاجتماعية تقتضي أن يشعر الجميع بأنهم متساوون أمام المال العام، وأن تكون الأولوية للمواطن والخدمات والتنمية.
إن تقليص الإنفاق غير الضروري والامتيازات العالية لا يعني الانتقاص من مكانة مؤسسات الدولة، وإنما يعني ترشيد المال العام وتوجيهه نحو القطاعات التي يحتاجها المواطن، وفي مقدمتها التعليم والصحة والخدمات والإسكان وفرص العمل والحماية الاجتماعية.
أما المواطن البسيط، فهو لا يبحث عن الرفاهية، بل عن حياة كريمة، وخدمات أساسية، وفرصة عمل، وسكن مناسب، وتعليم جيد، ورعاية صحية، ودخل يستطيع من خلاله تأمين احتياجات أسرته.
ومن المؤسف أن يبقى المواطن في آخر سلم الاهتمام، بينما تتدلل الحكومة بمقدرات الدولة وإمكاناتها، وكأن المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة يفترض أن يكون هو المستفيد الأول منها.
إن الثروة الوطنية ليست مجرد أرقام في الموازنات أو إيرادات تدخل خزينة الدولة، وإنما هي أمانة ومسؤولية، ويجب أن تتحول إلى مشاريع وبنى تحتية وخدمات وفرص عمل وتحسين حقيقي في مستوى معيشة المواطن.
فالمشكلة ليست في قلة الموارد، وإنما في طريقة إدارة هذه الموارد واستثمارها، وفي غياب التخطيط الحقيقي لبناء اقتصاد متنوع ومستدام. فالعراق بحاجة إلى رؤية اقتصادية بعيدة المدى، لا تتغير بتغير الحكومات، تضع الإنتاج والتنمية البشرية وخلق فرص العمل في مقدمة الأولويات.
كما أن النهوض بالزراعة يمكن أن يقلل من الاعتماد على الاستيراد، وإعادة تشغيل القطاع الصناعي يمكن أن يوفر فرصًا واسعة للعمل، بينما تستطيع السياحة الدينية والأثرية والتاريخية أن تكون مصدرًا مهمًا للدخل، إذا ما توفرت لها البنية التحتية والتخطيط والاستثمار الصحيح.
العراق يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون دولة اقتصادية قوية، لكنه بحاجة إلى إدارة تستثمر هذه المقومات بدل أن تتركها معطلة.
العراق لا يحتاج إلى المزيد من الوعود والشعارات، بل إلى إدارة كفوءة، وعدالة في توزيع الثروة، ومشاريع حقيقية، ومؤسسات تعمل من أجل المواطن، واستثمار جاد في القطاعات الزراعية والصناعية والسياحية، وفتح أبواب العمل أمام الشباب.
فلا يعقل أن يعيش المواطن تحت الصفر في بلد يمتلك كل هذه الثروات والإمكانات.
العراق غني بثرواته، لكن المواطن ما زال ينتظر أن يشعر بهذا الغنى في حياته اليومية.
فالمواطن يريد ببساطة: راتبًا يؤمّن احتياجاته، وخدمات تحفظ كرامته، وفرصة عمل لمن لا يملك عملًا، وعدالة في توزيع ثروات وطنه.
فإذا كانت الدولة غنية، فمن حق المواطن أن يعيش كريمًا، لا أن يبقى فقيرًا في بلد غني
PM:01:38:23/08/2026
ئهم بابهته 140
جار خوێنراوهتهوه