بيع أصول الدولة..جريمة كبرى!

‌فلاح المشعل

تتردد في الأوساط السياسية والإعلامية أنباء عن وجود توجهات لبيع أصول الدولة العراقية! والمقصود بأصول الدولة المطارات، والموانئ، والبنوك، والشركات العامة، والجامعات والمباني الحكومية، والحدائق، والطرق، والجسور، وغيرها من الممتلكات التي أنشأتها الدولة عبر تاريخها من المال العام.
وهذه الأصول ليست ملكًا للحكومة أو رئيس الحكومة، بل هي ملكٌ للدولة والشعب العراقي، وقد أُنشئت لخدمة المواطنين والأجيال القادمة، ومن هذا المنطلق، فإن أي تصرف يؤدي إلى التفريط بها أو نقل ملكيتها ينبغي أن يخضع لأعلى درجات الشفافية والرقابة، وأن يستند إلى أساس قانوني واضح يراعي المصلحة العامة، لا إلى الحاجة المالية المؤقتة.
إن فكرة بيع أصول الدولة لا تغري إلا أصحاب الثروات الضخمة القادرين على الاستحواذ عليها. وفي الحالة العراقية، فإن جانبًا من هذه الثروات ارتبط، بحسب ما تكشفه ملفات الفساد، بعمليات نهب للمال العام وصفقات مشبوهة تمت بتواطؤ مسؤولين نافذين من رؤساء ووزراء ونواب وغيرهم.
الدول التي تعجز عن إصلاح اقتصادها تلجأ إلى بيع ممتلكاتها العامة، بينما يكون الخيار الأكثر عدالة هو استرداد الأموال المنهوبة، وملاحقة شبكات الفساد، واستعادة الثروات التي كوّنتها الأحزاب والمتنفذون بطرق غير مشروعة، بدلًا من التفريط بما يملكه الشعب.
وقد أثبتت التجارب أن حملات مكافحة الفساد، حتى عندما طالت عددًا محدودًا من المتهمين، أسفرت عن استرداد مئات الملايين من الدولارات، وكميات كبيرة من الذهب، وعقارات وأصول متنوعة! ولو استمرت تلك الحملات باستقلالية وحزم، لكان بالإمكان استعادة مبالغ وأصول أكبر بكثير، إلا أن نفوذ كبار المتهمين بالفساد، وتشابك مصالحهم مع قوى سياسية واقتصادية، فضلًا عن ارتباطات خارجية استثمرت بأموال الفساد العراقي، شكّل عقبة حقيقية أمام استكمال هذا المسار.
وخلال أكثر من عقدين، نجحت الطبقة السياسية الحاكمة، بحسب هذا التوصيف، في تحويل جزء كبير من المال العام إلى ثروات خاصة، في ظل منظومة وفّرت الحماية للفاسدين. واليوم، وبعد أن وصلت خزينة المالية العامة إلى أزمة خانقة وديون هائلة، يُخشى أن يتحول بيع أصول الدولة إلى وسيلة لنقل ما تبقى من ممتلكات الشعب إلى الجهات ذاتها التي راكمت ثرواتها من المال العام، وبالأموال نفسها التي خرجت أصلًا من خزينة الدولة.
إن التفريط بأصول الدولة لا يعني خسارة ممتلكات قائمة فحسب، بل يعني أيضًا حرمان الأجيال المقبلة من حقوقها الاقتصادية، وإضعاف قدرة الدولة على أداء وظائفها السيادية والتنموية، وصولًا إلى دولة تتخلى تدريجيًا عن أهم أدواتها الاقتصادية.
وإذا جرى تمرير بيع أصول الدولة بوسائل تفتقر إلى الشفافية أو بعيدًا عن الرقابة المجتمعية والمؤسسية، فإن ذلك سيمثل، في التقدير السياسي والأخلاقي، انتهاكًا جسيمًا للأمانة العامة، وسيثير تساؤلات عميقة حول مدى مشروعية التصرف بممتلكات تعود للدولة والشعب، لا للحكومات المؤقتة التي تتولى إدارته!


PM:04:25:05/08/2026

ئه‌م بابه‌ته 196 جار خوێنراوه‌ته‌وه‌‌