"ما مصير عقارات البعث المصادرة في العراق"
Westga news– عربية
يكشف هذا التحقيق المدعوم بالوثائق، كيف تحوّلت آلاف العقارات التي استعادتها الدولة بعد سقوط النظام السابق، إلى ممتلكات يصعب على الدولة استردادها فعلياً؟ ومن يقف خلف عمليّات الإشغال والتجاوز؟
بعد سقوط نظام حزب البعث في العراق بقيادة صدام حسين سنة 2003، خضعت آلاف العقارات العامة أو التي كان النظام والمرتبطون به يستغلونها في العاصمة بغداد، لعمليات مصادرة وإعادة تسجيل وإدارة.
وتسارعت وتيرة المصادرة تلك، بعد تشكيل هيئة اجتثاث البعث سنة 2004، حين صادرت الحكومة المؤقتة وقتها برئاسة أياد علاوي، أملاكاً تعود إلى العشرات من قيادات النظام السابق والمقربين منه، وأحالت جزءاً منها إلى وزارة المالية ودائرة عقارات الدولة.
لكن انتقال الملكية إلى الدولة لم ينه مشكلة هذه العقارات، على مدى السنوات التالية، إذ تحولت مجموعة كبيرة من عقارات وفلل مميزة داخل المنطقة الخضراء(المقر الرئيسي للحكومة العراقية والبعثات الدبلوماسية)ومناطق "القادسية” و”كرادة مريم” إلى مساحات نفوذ لجهات سياسية وشخصيات نافذة ومسؤولين، بعضهم شغل عقارات من دون عقود قانونية، وبعضهم واصل إشغالها بعد انتهاء عقود الإيجار، فيما تراكمت بذمم عدد من الشاغلين مبالغ مالية مستحقة للدولة.
لكن التجاوز على عقارات الدولة لم يتوقف عند الامتناع عن دفع الإيجار أو البقاء في العقار بعد انتهاء العقد، فالوثائق والمعلومات تكشف أشكالاً أكثر تعقيداً من الاستحواذ، بينها السيطرة على عقارات بالقوة وفرض أمر واقع عليها، فضلاً عن التلاعب بمستندات الملكية والعقود، وفي بعض الحالات استخدام وثائق مزورة لمحاولة إضفاء غطاء قانوني للسيطرة على عقارات تعود ملكيتها إلى الدولة.
وتكشف وثائق رسمية، عن إشغال عقارات حكومية من قبل جهات سياسية مختلفة تعمل منذ عقدين على عدم تسليمها للدولة، بينها (الاتحاد الوطني الكردستاني، ومنظمة بدر، وحزب الوفاق الوطني، وتيار الحكمة، وحزب الدعوة – تنظيم الداخل، والحزب الإسلامي، والحركة الديمقراطية الآشورية، وحزب المؤتمر، وجمعية الكرد الفيليين، ومؤسسة شهيد المحراب).
يكشف هذا التحقيق المدعوم بالوثائق، كيف تحولت آلاف من العقارات التي استعادتها الدولة بعد سقوط النظام السابق، إلى ممتلكات يصعب على الدولة استردادها فعلياً؟ ومن يقف خلف عمليات الإشغال والتجاوز؟ وكيف تحولت بعض حالات الإشغال غير القانوني إلى أمر واقع، فيما جرى في حالات أخرى البحث عن غطاء مستندي أو قانوني لإبقاء السيطرة على العقار؟
((تقسم عقارات الدولة المتجاوز عليها إلى ثلاثة أنماط: عقارات استولت عليها أطراف متنفذة من دون عقد إيجار، وأخرى يشغلها أشخاص بموجب عقود إيجار من دون دفع بدلات الإيجار، وثالثة يشغلها مستأجرون بعقود لكنهم لا يدفعون "أجر المثل” المستحق))
قوانين متتالية.. والتجاوز مستمر
لم تكن مشكلة التجاوز على "عقارات الدولة” خارج اهتمام الحكومة، ففي سنة 2013 صدر قانون بيع وإيجار أموال الدولة رقم 21، الذي وضع إطاراً لتنظيم التصرف بالعقارات الحكومية. ثم صدر قرار مجلس الوزراء رقم 300 لسنة 2015، متضمناً آليات لمعالجة أوضاع بعض شاغلي العقارات وتسوية بدلات الإيجار المستحقة للدولة.
لكن هذه الإجراءات لم تنه جميع حالات الإشغال، حيث تظهر وثائق وزارة المالية ودائرة عقارات الدولة، عقارات بقيت مشغولة لسنوات، مع تسجيل مدد تجاوز ومبالغ مالية مترتبة على بعض شاغليها.
وفي سنة 2019، اتخذت الحكومة خطوة أخرى لحصر العقارات الحكومية المشغولة داخل المنطقة الخضراء، ووجه رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي، بتشكيل لجنة تتولى الانتقال إلى العقارات التي يشغلها مسؤولون كانوا في الخدمة وقتها، وكذلك مسؤولون سابقون، وتحديد تاريخ إشغال كل عقار والمبالغ المترتبة بذمة شاغله.
غير أن عمل اللجنة واجه عائقاً يتعلق بالحصول على المعلومات نفسها، إذ أظهر تقريرها لاحقاً عدم تعاون جهات أساسية معها في حصر العقارات وتحديد شاغليها، فضلاً عن التحقق من المخالفات المرتبطة بعدم دفع بدلات الإيجار.
وفي العام نفسه، تحركت هيئة النزاهة على الملف، فقد أفادت دائرة التحقيقات فيها بتشكيل فريق عمل مركزي في بغداد، وفرق فرعية في المحافظات لجرد عقارات الدولة، بما فيها العقارات المخصصة أو المستغلة من مسؤولين بموجب قوانين أو قرارات، إلى جانب العقارات التي قالت الهيئة إن أحزاباً وجمعيات وأفراداً استولوا عليها، خصوصاً في المناطق المصنفة "عقارات متميزة”.
وتولت الفرق، بحسب مصدر مسؤول في الهيئة، جمع البيانات وتدقيقها وفرزها وإعداد قاعدة معلومات بالعقارات، فيما دفعتها نتائج المراجعة إلى مخاطبة مكتب رئيس الوزراء بشأن تعديل بدلات إيجار العقارات المتميزة العائدة للدولة، لتتراوح نسب الاستقطاع بين 15 و30 بالمئة من الرواتب الكلية لشاغلي العقارات المشمولين بقرار مجلس الوزراء رقم 300 لسنة 2015.
كما دعت الهيئة الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتجاوزين وإخلاء العقارات خلال مدد محددة، والمطالبة بأجر المثل عن العقارات المتجاوز عليها منذ تاريخ التجاوز، فضلاً عن متابعة الدعاوى القضائية المتعلقة بإخلائها.
وامتدت توصيات الهيئة إلى العقارات المسجلة باسم الكيانات المنحلة والمحظورة، إذ دعت إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتسجيلها باسم الدولة، كما أوصت بمراجعة أداء الدوائر المالكة للعقارات والوقوف على أوجه القصور في إدارتها.
وتشير إفادة عضو مجلس النواب السابق أمير المعموري، إلى أن المشكلة تتجاوز الحالات التي تمكنت الجهات الحكومية من حصرها، ويقول إن أحزاباً وتنظيمات سياسية تشغل عقارات تابعة للدولة منذ عام 2003 دون دفع بدلات إيجار.
ويقول أن لديه معلومات عن نحو 1000 عقار عام في بغداد، يشغلها حزبيون، ونحو خمسة آلاف عقار أخرى يقول إنها تحت سيطرة متنفذين مرتبطين بأحزاب سياسية.
ويحدد المعموري، عدداً من المناطق التي تتركز فيها هذه العقارات، بينها "المنطقة الخضراء والقادسية وكرادة مريم والمنصور والجادرية والبتاوين وساحة الأندلس وساحة الواثق”، ويقدر قيمة العقارات التي يتحدث عنها بنحو 10 تريليونات دينار.
تدقيق أوسع يكشف آلاف العقارات المتجاوز عليها
لم تقتصر عمليات الحصر والتدقيق التي بدأت عام 2019 على العقارات الواقعة في المنطقة الخضراء، إذ يقول عضو مجلس مكافحة الفساد السابق سعيد ياسين، إن ملف عقارات الدولة فتح بصورة فعلية في المجلس الأعلى لمكافحة الفساد في ذلك العام، بعد معلومات قدمتها النائبة السابقة ماجدة التميمي، التي كانت عضواً في اللجنة المالية النيابية.
وبحسب ياسين، شكل بموجب الأمر الديواني رقم 50 لسنة 2019 فريق للمتابعة والتحري وتدقيق السجلات العقارية المتعلقة بعقارات الدولة ودائرة التسجيل العقاري، ويقول إن نتائج التدقيق أظهرت وجود أكثر من 173 ألف عقار متجاوز عليه، باستثناء عقارات الدولة في المنطقة الخضراء وعقارات الأفراد.
ويشير ياسين، إلى أن النسبة الأكبر من هذه العقارات تعود إلى مؤسسات الدولة المختلفة، ومن بينها وزارات المالية والزراعة والدفاع والبلديات وأمانة بغداد، إلى جانب عقارات تعود ملكيتها إلى أفراد.
ولا يقتصر ما رصده الفريق، بحسب ياسين، على نمط واحد من التجاوز، فهو يقول إن غالبية الحالات تمت من خلال الاستحواذ على العقار أو تزوير السجلات وتمزيقها، فضلاً عن استخدام عقود بيع وشراء وهمية.
ويقسم ياسين، عقارات الدولة المتجاوز عليها إلى ثلاثة أنماط رئيسية: عقارات استولت عليها أطراف متنفذة من دون عقد إيجار، وأخرى يشغلها أشخاص بموجب عقود إيجار من دون دفع بدلات الإيجار، وثالثة يشغلها مستأجرون بعقود لكنهم لا يدفعون "أجر المثل” المستحق.
ويضيف أن حالات أخرى تتعلق بعقارات وأراضٍ مُنحت بقرارات خاصة من دون إخضاعها للمزاد العلني كما يُفترض أو اعتماد الأسعار السائدة في المناطق المجاورة، بحسب قوله، وحدث ذلك في بغداد ومراكز مدن أخرى.
وثائق حكومية ترصد عقارات ومسؤولين ومبالغ مستحقة
في مقابل تعثر اللجنة الحكومية في استكمال حصر العقارات المشغولة داخل المنطقة الخضراء، تكشف سجلات دائرة عقارات الدولة عن جانب آخر من ملف العقارات الحكومية في بغداد، يتمثل في حالات إشغال وتجاوز، وعقارات مؤجرة، ومبالغ مالية مسجلة على بعض الشاغلين، وفق قوائم أعدتها الدائرة لجرد العقارات والإجراءات المتخذة بشأنها في جانب الكرخ، للفترة الممتدة من عام 2003 وحتى الأول من كانون الأول/ديسمبر 2022.
وتتضمن القوائم أرقام العقارات ومواقعها وأنواعها، وأسماء المستأجرين أو الشاغلين، وفترات الإشغال أو التجاوز، والإجراءات المتخذة، فضلاً عن مبالغ مالية مسجلة في بعض الحالات، كما تظهر بينها أسماء مسؤولين سابقين وحاليين، وأبناء مسؤولين، وموظفين وأشخاص مرتبطين بمؤسسات الدولة، مع تفاوت الحالات بين عقارات وردت بشأنها إشارة صريحة إلى التجاوز، وأخرى سُجلت لها مبالغ أو بدلات إيجار.
في منطقة كرادة مريم، يظهر العقار 303/5، الموصوف في الوثيقة بأنه داران مفروزتان بصورة غير رسمية، مع تحديد الإجراء المتخذ بعبارة "تجاوز وإيجار”، وورود اسم رئيس هيئة النزاهة الأسبق حسن نعمة حسن الياسري بوصفه شاغلاً للعقار، إلى جانب تسجيل مبالغ مالية عن فترات مختلفة.
وفي حالة أخرى، تسجل القوائم إشغال أمير فراس كاظم، المدير العام الأسبق لشؤون السفر والحدود في جهاز المخابرات الوطني العراقي، عقارين، مع إثبات مبالغ عن فترتين: من الأول من آب/أغسطس 2021 إلى الأول من آب/أغسطس 2022، بقيمة مليونين و688 ألف دينار، ومن الأول من آب/أغسطس 2022 إلى الأول من آب/أغسطس 2023، بقيمة ثلاثة ملايين و34 ألف دينار.
وتتواصل الحالات في كرادة مريم، إذ يظهر اسم طالب نعمة مجدي، المدير العام لدائرة الملاحقات المالية والاقتصادية في هيئة المساءلة والعدالة، في سجل العقار 67/11، مع الإشارة إلى فترة تجاوز تمتد من 19 أيلول/سبتمبر 2016 إلى 19 أيلول/سبتمبر 2017.
أما العقار 73/9، فترد فيه أسماء شاغلين تعاقبوا على العقار خلال فترات مختلفة، ومن بينهم وزير التربية الأسبق محمد إقبال عمر محمود الصيدلي، الذي تشير الوثائق إلى إشغاله العقار بين عامي 2020 و2022، وفق قرار مجلس الوزراء رقم 300 لسنة 2015، كما يظهر اسم رحمن عيسى، معاون الأمين العام لمجلس الوزراء، شاغلاً للعقار من 4 آب/أغسطس 2018 إلى 4 آب/أغسطس 2019.
وفي العقار 53 بمنطقة كرادة مريم، تسجل الوثائق أسماء عدد من الشاغلين، بينهم ضياء محمد مهدي المولوي، المفتش العام في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهشام عبد الملك السهيل، عضو مجلس النواب السابق، الذي تظهر السجلات إشغاله العقار من 15 تموز/يوليو 2019 إلى 16 تموز/يوليو 2023، مع الإشارة إلى القانون رقم 62 لسنة 2007.
وتظهر القوائم كذلك العقار 488/42 في كرادة مريم، الذي تسجل إشغاله من قبل النائبة السابقة هدى سجاد محمود، خلال الفترة من 14 نيسان/أبريل 2019 إلى 16 نيسان/أبريل 2023.
وفي العقار 73/8، تشير الوثيقة إلى إشغال وزير النقل الأسبق عامر عبد الجبار العقار، فيما يظهر اسم الفريق أحمد طه هاشم، وكيل الاستخبارات الأسبق، بصفة المستأجر، عن الفترة من 10 أيلول/سبتمبر 2020 إلى 10 أيلول/سبتمبر 2021، مع تسجيل بدل إيجار سنوي قدره مليونان و875 ألف دينار.
وتنتقل السجلات إلى مجمع القادسية، حيث يظهر العقار 667/2 باسم محمد صاحب الدراجي، وزير الصناعة والمعادن الأسبق، مع تسجيل فترة تجاوز تمتد من 7 كانون الثاني/يناير 2019 إلى 5 آب/أغسطس 2021، كما تسجل العقار 686/2 باسم كهدار محمد سعيد، مدير عام الاستخبارات والأمن، مع الإشارة إلى فترة تجاوز من 9 كانون الأول/ديسمبر 2020 إلى 9 كانون الأول/ديسمبر 2023.
وفي العقار 669/2، تتعاقب أسماء الشاغلين على الدار رقم 15؛ إذ يظهر اسم عبد الكريم لعيبي ناهض، وزير النفط الأسبق، عن الفترة من 26 تشرين الأول/أكتوبر 2016 إلى 26 تشرين الأول/أكتوبر 2018، ثم اسم عادل كريم كاك أحمد، وكيل وزير الكهرباء، عن الفترة من 31 تموز/يوليو 2021 إلى 31 تموز/يوليو 2022.
أما العقار 670/2، فيلا رقم 16، فتظهر الوثائق اسم عبد الله لعيبي باهض، وزير النفط الأسبق، عن الفترة من 29 تموز/يوليو 2019 إلى 29 تموز/يوليو 2020.
وفي العقار 691/2 بمجمع القادسية، تسجل القوائم اسم النائبة السابقة آلاء تحسين حبيب طالباني خلال الفترة من 15 أيار/مايو إلى 15 تشرين الأول/أكتوبر 2021، ثم اسم شيركو محمد صالح، عضو مجلس النواب السابق، عن الفترة من 22 أيلول/سبتمبر 2021 إلى 22 أيلول/سبتمبر 2022.
ولا تقتصر الحالات الواردة في الوثائق على العقارات التي تعاقب عليها شاغلون، بل تشمل أيضاً أشخاصاً سجل إشغالهم أكثر من عقار خلال فترات متداخلة أو متعاقبة، ففي كرادة مريم، تشير السجلات إلى إشغال النائبة السابقة سارة إياد علاوي، ابنة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، خمسة عقارات خلال الفترة الممتدة من عام 2018 حتى عام 2024.
كما تسجل إشغال أحمد نوري المالكي، نجل رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، ثلاثة عقارات في المنطقة ذاتها، خلال الفترة من عام 2019 إلى عام 2022.
وفي مجمع القادسية، تظهر الوثائق إشغال وزير التعليم العالي السابق نعيم ثجيل يسر ثلاثة عقارات بين عامي 2019 و2022، ووزير الكهرباء الأسبق قاسم محمد الفهداوي خمسة عقارات خلال الفترة من عام 2016 إلى عام 2022، كما تسجل إشغال رئيس مجلس النواب السابق أسامة النجيفي عقارين بين عامي 2021 و2022، ورئيس لجنة الصحة النيابية السابق قتيبة الجبوري ثلاثة عقارات في المجمع خلال الفترة من عام 2015 إلى عام 2022.
وفي كرادة مريم أيضاً، تشير القوائم إلى إشغال قائد قوات مكافحة الإرهاب الأسبق كريم عبود محمد التميمي ستة عقارات خلال الفترة الممتدة من عام 2015 إلى عام 2023.
عقارات متميزة في المنطقة الخضراء
تتسع الحالات التي ترصدها الوثائق والمتعلقة بقوائم ما توصف بـ”العقارات المتميزة” في المنطقة الخضراء.
فبحسب قوائم صادرة عن هيئة النزاهة، تضم هذه الفئة 75 عقاراً قالت الهيئة إنها مشغولة من "مسؤولين ومتنفذين” لم يبرموا عقود إيجار أو لم يسددوا المبالغ المالية المترتبة عليهم، وفق الآليات المنصوص عليها في قرار مجلس الوزراء رقم 300 لسنة 2015.
وتكشف القوائم كذلك عن حالات شغل فيها الأشخاص أكثر من عقار في الوقت عينه، وبينهم رئيس مجلس النواب الأسبق سليم الجبوري، ووزير الدفاع الأسبق خالد العبيدي، وأمين عام منظمة بدر هادي العامري.
وتكتسب هذه العقارات أهمية إضافية بسبب موقعها المهم وقيمتها المالية الكبيرة. يقول عضو مجلس النواب السابق أمير المعموري، إن عقارات المنطقة الخضراء تعد من أغلى العقارات في العراق، مضيفاً أن أكثر من 75 عقاراً جرى تمليكها خلال السنوات الماضية بأسماء أشخاص من دون إعلان رسمي أو مزايدة علنية.
ويشير المعموري، إلى تفاوت كبير بين بدلات الإيجار التي يقول إنها متداولة في المنطقة الخضراء وبين ما دفع مقابل بعض العقارات، وبحسب قوله، تتراوح الإيجارات المعتادة في المنطقة بين مليوني وأربعة ملايين دينار شهرياً، بينما أُجرت بعض العقارات بمبالغ لا تتجاوز 35 ألف دينار.
وأوضح، أن "الحصول على عقار في المنطقة الخضراء بهذا السعر المتدني يتم من خلال التحايل على القانون، الأمر الذي يستوجب فتح تحقيق عاجل ووضع حد لهذا الملف الذي يهدر ثروات البلاد ويضرب مبدأ العدالة والمساواة”.
ويرى المعموري، أن استمرار هذا الوضع لا يمثل خسارة مالية فحسب، بل "يبقي جزءاً من أصول الدولة خارج الاستخدام الذي يفترض أن تخضع له أملاكها”.
ولا تقتصر القوائم على العقارات المتميزة في المنطقة الخضراء وعلى شاغليها من المسؤولين والمتنفذين، فهناك عقارات آلت إلى الدولة بعد حل الكيانات المرتبطة بالنظام السابق، ومنها عقارات كانت تعود إلى (حزب البعث) المنحل و(ديوان الرئاسة) السابق، قبل أن تدخل ضمن إدارة وزارة المالية ودائرة عقارات الدولة.
وتظهر ملفات بعض هذه العقارات، اسم الجهة السياسية بوصفها شاغلاً للعقار، ففي كرادة مريم، تسجل القوائم عقاراً يشغله الاتحاد الوطني الكردستاني، فيما يظهر عقار في منطقة الإسكان باسم منظمة بدر.
وفي كرادة مريم، وتحديداً في شارع الزيتون، تسجل الوثائق عقارين يشغلهما حزب الوفاق الوطني، بينما يظهر عقار في الداودي/المنصور باسم تيار الحكمة.
وتتوزع الحالات على مناطق أخرى من بغداد، ففي الوزيرية، يظهر عقار يشغله حزب الدعوة – تنظيم الداخل، فيما تسجل القوائم مزرعة حمدي في شارع فلسطين باسم الحزب الإسلامي، ومزرعة أخرى في الموقع نفسه تشغلها الحركة الديمقراطية الآشورية.
وفي البتاوين، يظهر عقار يشغله حزب المؤتمر، بينما تسجل الوثائق عقاراً في الوزيرية باسم جمعية الكرد الفيليين، وعقاراً في الزوية/الكرادة داخل تشغله مؤسسة شهيد المحراب.
((نائب: التصرف بعقارات الدولة من قبل أحزاب تم من خلال بيعها أو إزالة أولياتها من السجلات العقارية أو تأجيرها بأثمان لا تتناسب مع قيمتها))
تصرفات تتجاوز الإشغال
السياسي والنائب السابق رحيم الدراجي، يقول إن "عقارات تابعة للدولة بيعت في بعض الحالات بسعر وصل إلى "خمسة دنانير للمتر الواحد”، بينما تبلغ قيمتها الحقيقية، بحسب قوله، "ملايين الدنانير”، ويتهم الدراجي، أحزاباً سياسية لم يسمها بالاستحواذ على عقارات الدولة "دون وجه حق”.
ويقول بأن عقارات الدولة ظلت، منذ عام 2003 وحتى الآن، تحت تصرف الأحزاب السياسية التي حكمت العراق، مشيراً إلى أن التصرف بها تم من خلال "بيعها أو إزالة أولياتها من السجلات العقارية أو تأجيرها بأثمان لا تتناسب مع قيمتها”.
وتجد هذه الإفادات صداها في البرلمان، إذ تقول عضو مجلس النواب ابتسام الهلالي، أن هنالك توجهاً لإعادة فتح ملف العقارات والأراضي العائدة إلى مؤسسات الدولة. وتشير إلى أن "لجنة الحفاظ على أملاك الدولة”، التي شكلت في الدورة النيابية السابقة، أنجزت تقريراً مفصلاً عن حجم التجاوزات.
وبحسب الهلالي، وثقت اللجنة حالات سيطرة على مساحات واسعة من الأراضي والأبنية الحكومية، فيما أظهرت عمليات الجرد والتحري وجود أكثر من خمسة آلاف عقار متجاوز عليه، بعضها مرتبط بجهات وشخصيات متنفذة.
وزارة العدل تقدم رواية رسمية، تركز على إجراءات حصر العقارات وحفظ سجلاتها، إلى جانب أرقام تكشف اتساع حجم الملكية الحكومية في بغداد. المتحدث باسمها أحمد لعيبي، يقول بان وزير العدل خالد شواني، وجه بجرد العقارات التابعة للدولة من خلال لجنة برئاسة معاون العقاري القانوني وبإشراف الوكيل الأقدم للوزارة.
وأضاف أن اللجنة تحفظت على العقارات وأضابيرها "خشية التلاعب أو التزوير” وأبلغت الجهات المعنية، بينها البلديات وأمانة بغداد ووزارة المالية. ويرى لعيبي، أن "ملف عقارات الدولة ليس شائكاً”، ويوضح "العقارات حفظت وأُرشفت”.
وبحسب الأرقام التي أوردها، تبلغ عقارات الدولة التابعة لأمانة بغداد نحو 4,421 عقاراً، فيما يصل مجموع عقارات الدولة في بغداد إلى نحو 19,628 عقاراً، بينما يتجاوز عدد عقارات الدولة في المحافظات مليون عقار.
وبينما تكشف الوثائق والإفادات البرلمانية عن عقارات حكومية بقيت موضع إشغال أو تصرف لسنوات، تظهر أحكام قضائية حديثة حالة انتهت فيها الدولة إلى استعادة السيطرة القانونية على عقار كان محل نزاع.
ففي تموز/يوليو 2026، أصدرت محكمة بداءة "الدورة” حكمين برد الدعاوى المقامة من السياسي والنائب السابق مشعان الجبوري، في قضية تتعلق بأراضٍ تابعة للدولة في منطقة الدورة، كان الجبوري، يستند في وضع يده عليها إلى عقد زراعي يعود إلى عام 1976.
وبحسب منطوق الحكمين، أُبطل العقد الزراعي القديم، فيما ثبت للمحكمة أن الأرض خرجت بالكامل عن صفتها الزراعية وأصبحت ضمن مخطط سكني وتجاري.
كما أكدت أن العقار مسجل باسم وزارة المالية وتحت إدارة دائرة عقارات الدولة، وأن إجراءات الدائرة لاستعادة العقار ومنع التجاوز عليه جاءت ضمن صلاحياتها القانونية في حماية أملاك الدولة.
ورفضت المحكمة، وفق ما ورد في الحكم، أحقية المدعي في المطالبة بالتعويض، لعدم ثبوت وجود استغلال زراعي مشروع يمنحه هذا الحق، مشيرة إلى أن قطعة الأرض تقع ضمن التصميم الأساسي لأمانة بغداد ومشمولة بالدور السكنية والبنى التحتية.
القانون يتيح الاسترداد.. فمن يُفَعِله؟
الخبير القانوني علي التميمي، يرى بأن استرداد الممتلكات العقارية العامة ممكن عبر استخدام أدوات قانونية مع بتحرك برلماني ورقابي وقضائي منسق يستند إلى المادتين الثانية والخامسة من قانون استرداد ممتلكات الدولة، اللتين يرى أنهما "توفران سنداً قانونياً لمتابعة الممتلكات العائدة للدولة واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها”.
كما يشير إلى أحكام القانون المدني المتعلقة بالغبن الفاحش، في المواد من 124 إلى 140 تتناول هذه الحالات، بما يتيح للمحكمة النظر في التصرفات التي تنطوي على "غبن فاحش”، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بعقار تابع للدولة جرى الاستيلاء عليه أو التصرف به مقابل ثمن بخس.
أما الخبير القانوني أمير الدعمي، فيقول بأن ملف الاستيلاء على عقارات الدولة مستمر منذ عام 2003، وإن المفارقة تتمثل في أن "الجهات التي تطالب باسترداد بعض هذه العقارات هي نفسها التي تستولي عليها أو تستفيد منها”.
ويقول بأن الملف "تحول إلى مادة للاستهلاك الإعلامي”، فيما تقع نسبة كبيرة من العقارات المستولى عليها، بحسب إفادته "تحت سيطرة شخصيات سياسية وأحزاب نافذة في مراكز صناعة القرار، الأمر الذي يجعل استعادتها أكثر صعوبة”.
ولا يرى الدعمي، أن الخسارة تقتصر على قيمة العقارات نفسها، بل تشمل الإيرادات التي يمكن أن توفرها للدولة إذا أُحسن استثمارها، ويشير إلى إمكانية تحويل بعض القصور والعقارات إلى متاحف أو مؤسسات عامة، منتقداً تأجير قصور وعقارات فخمة ببدلات رمزية لا تعكس قيمتها. في اشارة الى وجود نوع من التحايل او الاستفادة غير الشرعية جرت تحت ضغط تاثير الموقع السياسي للجهة الشاغلة.
ويحمل الدعمي الحكومة المسؤولية الأساسية عن استرداد هذه الممتلكات، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء يستطيع إصدار قرارات بإعادة العقارات التي تستولي عليها الأحزاب والسياسيون إلى الدولة، وفي حال رفض الجهات المستفيدة، يمكن للحكومة اللجوء إلى القضاء لاستصدار أحكام بإخلائها.
ويشكك بقدرة مجلس النواب في التصدي للملف بسبب "استفادة زعامات سياسية من بعض هذه العقارات أو ارتباطها بالقوى التي تسيطر على القرار” حسب تعبيره، كما ان الادعاء العام وفقا إليه:”لا يستطيع تحريك الشكوى من تلقاء نفسه في هذه الحالات ما لم تتحرك الجهة المتضررة، أي الحكومة”.
ويؤكد بذلك أن استرداد عقارات الدولة يبقى مرهوناً بقرار حكومي صارم مدعوم سياسياً يضع حماية المال العام فوق مصالح القوى والجهات المستفيدة.
تقرير: آدم علي
المصدر: نيريج
PM:11:10:20/10/2026
ئهم بابهته 272
جار خوێنراوهتهوه
اكتب تعليقك هنا ليظهر في الفيس بوك