"أزمة خط كركوك- جيهان.. تصعيد سياسي -شعبي واتهامات تعيد الجدل بشأن حقوق الاقليم وصلاحيات الاتحاد"
Westga news- عربي
مع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في 28 شباط/فبراير2026، ودخول صادرات النفط العراقية مرحلة حرجة نتيجة توقف معظم الإنتاج والتصدير بسبب الحظر المفروض على ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز الذي من خلاله يصدر أكثر من 90% من النفط العراقي.
أصبح التصدير من خلال الخطوط الممتدة إلى ميناء جيهان التركي خيارا بديلا واستراتيجيا للحكومة العراقية، إذ يُمكن أن يُشكّل مخرجاً لتصدير النفط المنتج من حقول كركوك واقليم كردستان، لضمان استمرار تدفق جزء من صادرات العراق للسوق العالمية بما يُخفف من المخاطر الاقتصادية الهائلة التي تُهدد خزينة الدولة التي تعتمد على عائدات النفط بنحو 90%.
فدعت وزارة النفط العراقية، نظيرتها في اقليم كردستان، بالسماح بتصدير نحو 250 الف برميل نفط يوميا من الحقول الخاضعة لسيطرة الحكومة الاتحادية خارج الاقليم، عبر خط اقليم كردستان – جيهان، فضلا عن 200 ألف برميل مستخرجة من الاقليم، إلا ان الدعوة هذه قوبلت بالرفض من قبل حكومة اقليم كردستان التي حددت مطالب مسبقة بعضها يتعلق بتأجيل تطبيق نظام الأسيكودا بشأن التجارة في اقليم كردستان.
أدى ذلك الى تبادل موجة اتهامات بين الطرفين، اربيل ذكرت أن حكومة المركز لا تفعل شيئا إزاء استهداف منشآت الاقليم النفطية بالصواريخ والمسيرات المتفجرة من قبل "فصائل مسلحة” والتي أدت الى توقف كامل لتصدير النفط عبر حقول كردستان والتي كانت تبلغ نحو 200 الف برميل. بينما بغداد تتهم الاقليم بالامتناع عن القيام بواجبها الوطني والتزاماتها الدستورية بالسماح بمرور النفط عبر انبوب يفترض انه ملك للبلاد بأسرها.
وانتقل الجدل إلى المستوى الشعبي، لتضج وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بالآراء المنددة بالموقف الكردي أو المؤيدة له، كل ذلك قبل أن يعلن وزير النفط العراقي حيان عبد الغني يوم الاثنين 16/3/2026، أن النفط سيضخ مباشرة من كركوك إلى تركيا دون الحاجة للمرور بإقليم كردستان عبر استخدام الانبوب العراقي القديم المتوقف منذ 2014 والذي يمر من كركوك الى محافظة نينوى وصولا الى فيشخابور قرب تركيا.
الأمر الذي عده البعض بمثابة سحب البساط عن اقليم كردستان وابطال مطالبه وشروطه، وإجراءً مركزيا يضعف أكثر حكومة الأقليم، وتوقعوا مزيداً من الإجراءات خلال الفترة المقبلة التي ستؤثر بنحو كبير على المواطنين في الاقليم، خصوصا ما يرتبط برواتب الموظفين الذين يعانون في الأصل من توقفات متكررة في رواتبهم خلال السنوات المنصرمة.
فهنالك من يعتقد بأن رواتب موظفي الاقليم التي ترسلها الحكومة الاتحادية قد تستخدم كورقة ضغط ورد فعل على موقف كردستان بشأن رفض استئناف الصادرات عبر انبوب اقليم كردستان جيهان.
تبادل اتهامات:
وزارة النفط في الحكومة المركزية، أكدت في بيان لها يوم في 15 آذار/مارس 2026 تواصلها مع وزارة الثروات الطبيعية في اقليم كردستان لاستئناف التصدير وبكميات لا تزيد عن (300) ألف برميل نفط عبر أنبوب التصدير داخل الإقليم نحو ميناء جيهان، بالإضافة إلى كميات النفط من الحقول داخل الإقليم التي كانت تصدر قبل الظروف الراهنة بما لا يقل عن (200) ألف برميل يومياً.
وذكر البيان أن الطلب قوبل بالرفض من قبل نظيرتها في الاقليم:”التي وضعت شروطاً عديدة لا علاقة لها بموضوع تصدير النفط الخام”، وتابع البيان:”أوضحنا من جانبنا بأن هذه الشروط يمكن مناقشتها لاحقاً بالتوازي مع استئناف تصدير النفط كون التأخير في التصدير سوف يحرم العراق من بعض الموارد المالية كجزء من تعويض إيقاف التصدير من المنافذ الجنوبية”.
وفي 17 من الشهر، اصدرت وزارة النفط بيانا جديدا انتقدت فيه بشدة موقف اقليم كردستان، وذكرت انه "وفقًا لاتفاقية خط الأنابيب العراقي– التركي (ITP)فإن خط الأنابيب هو مُنشأ حكومي إتحادي، بطاقة تصل الىٰ مايزيد علىٰ مليون برميل\يوم. وبمسار يخضع لادارة الحكومة الاتحادية مباشرة، من الناحية القانونية والسياسية، التي تمتلك صلاحية تشغيل الخط وتصدير النفط وصولا الى كامل طاقته”.
وابدت وزارة النفط استغرابها من ربط أربيل موضوع تصدير النفط، بملف رواتب موظفي الإقليم كونه من هو من اختصاص وزارة المالية، والأمر نفسه بإيرادها موضوع تطبيق نظام الأسيكودا.
وتقول الوزارة ان ما حدث هو خرق للدستور، وان "استغلال حكومة أربيل للظروف القاهرة التي تمر بها المنطقة والعمل على عرقلة تصدير النفط عبر أنبوب كركوك-جيهان هو سلوك يمثل مخاطرة كبرى غير مسؤولة بمصالح جميع العراقيين، بمن فيهم أبناء إقليم كردستان العراق، كما انه يعود بالضرر على سمعة العراق على المستوى الدولي”.
وزارة الثروات الطبيعية في الاقليم ردت سريعا على البيان الأول لوزارة النفط، متهمة الوزارة بـ”إغفال الأبعاد الحقيقية للمشكلة بكل جوانبها”، و”تشويه الوقائع وتوجيه الاتهامات جزافا لإقليم كردستان في مسعى يهدف لتضليل الرأي العام”.
وساق البيان جملة من الأسباب وراء رفض طلب التصدير عبر خط كردستان-جيهان التركي، وهي:
فرض حكومة بغداد، منذ مطلع شهر كانون الثاني/يناير "حصاراً اقتصادياً خانقاً على إقليم كردستان، بذريعة تطبيق النظام الكمركي (الأسيكودا – ASYCUDA)” وأن ذلك أسفر عن حرمان تجار الإقليم من الوصول إلى العملة الصعبة (الدولار) بالسعر الرسمي. مايكبدهم خسائر كبيرة.
وأشارت الى تعرض حقول ومصافي النفط والغاز ومنشآت الطاقة في الإقليم "لاستهدافات سافرة من قبل ميليشيات خارجة عن القانون. أسفرت هجماتها الإرهابية عن توقف عملية الإنتاج بشكل كلي، مما حال دون توفر أي كميات من النفط قابلة للتصدير إلى الخارج”.
واتهم البيان بغداد بعدم "ردع تلك الهجمات” التي شنت ضد إقليم كردستان أو "الحيلولة دون وقوعها”. وذكر البيان أن نسبة كبيرة من العناصر المتورطة في تلك الهجمات "تتلقى رواتبها وتسليحها وتمويلها المالي من بغداد، في الوقت الذي لا يتم فيه صرف رواتب ومستحقات مواطني كردستان وتُؤخر بشكل متعمد، فضلاً عن إرسالها منقوصة وبأقل من استحقاقاتها الفعلية”.
كما تحدث بيان وزارة النفط الكردستانية، عن دعوات متكررة وجهتها الى بغداد للحوار من اجل معالجة الإشكاليات، بيد أن الدعوات "قوبلت بتجاهل متعمد، ترافق مع مساعٍ حثيثة لفرض أجندات غير دستورية وإملاءات غير قانونية على الإقليم” حسب البيان.
ونظام الاسكويدا الذي اشار له بيان وزارة الثروات الطبيعية في الاقليم هو نظام آلي لمعالجة بيانات الجمارك، طورته منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) منذ الثمانينات. ويُعد منصة إلكترونية متكاملة لإدارة العمليات الجمركية، بدءاً من تسجيل البيان الكمركي والحمولات وصولاً إلى احتساب الرسوم وإصدار إحصاءات التجارة الخارجية. بالتالي هو يساعد على ترسيخ الشفافية وتسهيل التعاملات عبر جعلها الكترونية.
ويعتمد الأسيكودا على معايير دولية موحدة (مثل رموز النظام المنسق HS من منظمة الجمارك العالمية WCO ومعايير ISO) مما يضمن اتساق الإجراءات مع الممارسات العالمية. وقد انتشر استخدامه في أكثر من مئة دولة حول العالم.
وفي العراق، اكتسب مشروع تطبيق الأسيكودا أهمية قانونية واقتصادية خاصة في السنوات الأخيرة. إذ اقترنت هذه الخطوة بجهود حكومية لإصلاح السياسة الجمركية وتنمية الإيرادات غير النفطية. وصدرت العديد من القرارات والتعليمات التنظيمية لدعم تنفيذ النظام وتكييفه مع التشريعات الوطنية الجمركية والضريبية.
قوى سياسية
مواقف من الأزمة:
وأصدرت العديد من القوى السياسية، بما فيها من تملك مقاعد برلمانية كبيرة مثل تقدم وصادقون، بيانات انتقدت فيها بشدة موقف اقليم كردستان من تصدير النفط عبر خط اقليم كردستان، وعدت ذلك مخالفا للدستور والقانون وموقفا مضرا بالاقتصاد العراقي، مطالبة باجراءات حازمة ضد حكومة كردستان بما فيه حرمانه من الاستفادة من طريق "التنمية الدولي” الذي من المقرر ان يربط الخليج ودول جنوب شرق أسيا بتركيا واوربا.
الكتلة النيابية لرئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني (الإعمار والتنمية) وصفت في بيان صدر عنها يوم 15أذار/مارس2026، موقف الاقليم من تصدير النفط العراقي عبر ميناء جيهان التركي بغير المسؤول و”يراد منه خلط الأوراق”.
وأكد البيان، أن عملية تصدير النفط هي من الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية وفق ما نص عليه الدستور في المادتين (110) التي تمنح المركز حق رسم السياسة المالية، و(111) التي تؤكد أن الثروات الطبيعية ملك للشعب العراقي”.
وأن تطبيق نظام (الأسيكودا) يعد إجراءً ملزماً وفقاً للمادة (80) من الدستور في تخطيط وتنفيذ السياسة العامة لجميع المنافذ الحدودية، بما فيها منافذ الإقليم؛ لضمان أعلى معايير الشفافية ومنع حالات التهريب والفساد” لافتاً إلى أن "حماية الثروة الوطنية تبدأ بالضرورة من مركزية الرقابة وإحكام القانون”.
كما أصدر الإطار التنسيقي، بيانا، أعلن فيه رفضه لموقف وزارة الثروات الطبيعية باقليم كردستان،
وأوضح أن "إدارة ملف النفط والغاز وتصديرهما يجب أن تتم وفق الدستور والقوانين النافذة وبما يحفظ وحدة القرار السيادي للدولة العراقية وحقوق جميع العراقيين”.
ودعا البيان "إلى تغليب المصلحة الوطنية العليا والتعاون الجاد بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان لاستئناف تصدير النفط عبر ميناء جيهان والالتزام بسياسات وقرارات الحكومة الاتحادية بما يخدم المصلحة العليا للدولة العراقية”، مؤكداً أن "معالجة الخلافات يجب أن تتم بروح الشراكة الوطنية والمسؤولية المشتركة”.
ولمنع تصاعد الخلاف، دعا رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، في بيان صدر يوم الأحد 15 آذار/مارس2026، حكومتي بغداد وأربيل لحوار مباشر من أجل حسم الملفات العالقة، وحذر مما أسماه "مغبة استغلال الإنتهازيين” لحالة الاستقطاب السياسي الحالية لتأجيج الأزمات، تزامناً مع ما تشهده المنطقة من اضطرابات أمنية متصاعدة.
بدر
خط نقل لا يمر بالاقليم:
وزير النفط العراقي، حيان عبد الغني، الذي يشغل أيضا منصب نائب رئيس مجلس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة، ذكر يوم الاثنين 16/آذار/مارس2026 في تصريح صحافي، أن خط أنابيب تصدير النفط الخام من حقول كركوك باتجاه تركيا عبر نينوى، سيكون جاهزاً للعمل خلال أسبوع دون المرور بإقليم كردستان.
ومن المتوقع وفقا للوزير أن يتم ضخ ما بين 200 إلى 250 ألف برميل يوميا عبر هذا الخط الذي يخضع للفحص والتأهيل حاليا، ولم يتبق سوى 100 كيلو متر فقط لإجراء”الفحص الهيدروستاتيكي خلال اسبوع” والفحص أو الاختبار الهيدروستاتيكي هو، اختبار غير إتلافي يُستخدم للتحقق من المتانة والقوة والكشف عن التسرب في أوعية الضغط.
واذا لم تظهر الفحوص التي ستجري جاهزية ذلك الخط للتصدير، فان وزارة النفط الاتحادية لن تملك حلولا سريعة سوى الاتفاق مع اقليم كردستان، الذي تعالت فيه اصوات قوى سياسية بضرورة حسم الخلاف مع الحكومة الاتحادية.
وقد جاءت مواقف من الاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة بافل طالباني، وهو شريك أساسي في حكومة الاقليم، الى جانب قوى أخرى، تدعم للاسراع في حل الخلافات وتصدير النفط عبر خط كردستان. وانتقد رئيس الاتحاد موقف حكومة الإقليم، وقال إن الإقليم يمر بمرحلة حساسة تتطلب تجنب القرارات المنفردة، مؤكداً أن حكومة الإقليم ائتلافية ويجب الالتزام بالشراكة في اتخاذ القرارات، مضيفا "هذا ليس وقت التصعيد”.
وكان وزير النفط العراقي قد قال، أن متوسط إنتاج العراق من النفط الخام يبلغ حاليا بين مليون و500 ألف برميل يوميا إلي مليون و600 ألف برميل يوميا بعد تقليص الإنتاج من أصل إجمالي إنتاج العراق البالغ أربعة ملايين و400 ألف برميل يوميا وفق الحصة المحددة من منظمة أوبك.
خريطة:
ويوضح حيان عبد الغني أن العمليات العسكرية في الخليج وإغلاق مضيق هرمز أدّيا إلى توقف تصدير النفط العراقي بعد أيام من اندلاع الحرب في المنطقة، مشيرا الى توقف عمليات الإنتاج في حقول غرب القرنة 1 و2 والفيحاء والمجنون، إضافة إلى حقول الحلفاية والبزركان في ميسان، فيما يستمر الإنتاج في حقول الوسط لتوفير الغاز لمحطات الكهرباء رغم انخفاض معدلاته وأن حقول كركوك تعمل حالياً بطاقتها القصوى لتأمين النفط اللازم لمصافي الشمال.
ويقول الوزير، ان عمليات تأهيل سريعة تسمح حاليا بضخ نحو 250 ألف برميل يوميا من نفط البصرة إلى مصافي الشمال على أن تُصدر كمية مماثلة من نفط كركوك عبر الأنبوب العراقي التركي "بعد اكتمال الفحص النهائي خلال أسبوع”.
خطأ استراتيجي:
يصف خبير النفط بهجت أحمد، وهو كردي من السليمانية، موقف الإقليم بعدم الموافقة على التصدير بـ”الخطأ الاستراتيجي والأمر الصادم والبعيد عن حماية مصالح شعب كردستان”.
ويسوق سببين لرأيه هذا "أي ضرر يلحق باقتصاد العراق سينعكس بنفس الشكل على شعب كردستان، لأن رواتب موظفي الإقليم في الوقت الحالي تأتي من بغداد. بالإضافة إلى أن هذه الخطوة من الإقليم تتعارض مع سياسة ورغبة الولايات المتحدة الأمريكية التي تريد أن يصل نفط العراق إلى الأسواق العالمية حتى لا ترتفع أسعار النفط أكثر”.
ويقول ان موقف الاقليم هذا سيساهم بتحريك الرأي العام العراقي ضد شعب كردستان "لأن وجود أي خلاف سياسي في الوقت الحالي لا ينبغي أن يكون سببا لمنع الإقليم تصدير نفط العراق”. كما ويذكر بأن "خط أنابيب نقل النفط ليس ملكًا لحكومة الإقليم، ومع ذلك فإن الحكومة الاتحادية تدفع رسوما مقابل استخدامه، وهذا يشكل فائدة للإقليم”.
وتملك شركة روسنفت الروسية حاليا حصة 49% من خط كردستان الى تركيا بعد ان كانت تملك حصة 60% سابقا، بينما تبلغ حصة شركة "كار” الكردية المقربة من حكومة كردستان 40% فقط، والحصة الباقية 11% باتت تملكها شركة امارتية بعد ان باعتها روسنفت تجنبا للعقوبات الأمريكية.
ويشير أحمد، إلى أن "الحرب الحالية، بحسب توقعات جميع المراقبين، لن تكون طويلة الأمد. ولو كان لدى الإقليم أي مطالب، كان بإمكانه تأجيلها إلى حين عودة الأوضاع إلى طبيعتها، وكان يمكن أن يتحول الإقليم إلى موقع قوي لتصدير نفط العراق بشكل عام”.
ويتوقع أحمد أن الإقليم سيتلقى مواجهة شديدة من الحكومة الاتحادية، يدعمها الرأي العام العراقي، وفي النهاية سيدفع شعب كردستان وحده ثمن ذلك، اذا لم يتم الاتفاق سريعا. على حدّ قوله.
ويواصل "مع كل أزمة، تثبت المعادلة العراقية أنها الأكثر هشاشة، 90% من إيرادات الدولة مرهونة ببحر يمر بمضيق يمكن إغلاقه بأمر من جار في منطقة تشهد صراعات كبيرة”، ويلفت إلى أن إغلاق مضيق هرمز وتوقف الصادرات النفطية من الجنوب هو "الكابوس الذي حذر منه الاقتصاديون لعقود وتجاهلته الحكومات السابقة وتجسد اليوم على أرض الواقع”.
ويضيف:”هذا السيناريو الكارثي يسلط الضوء مرة أخرى على الإخفاق المزمن للحكومات العراقية المتعاقبة في ملفين استراتيجيين مترابطين، تنويع مصادر الدخل العام وتوسيع منافذ تصدير النفط، فبينما كان العالم يتجه نحو الطاقة المتجددة والاقتصاد التعددي، ظل العراق أسير النفط السهل، رهينة لخطر يتحكم في شريان حياته”.
ويذكر أن إيرادات النفط شكلت نحو 93 تريليون دينار من أصل إجمالي إيرادات بلغ 103.5 تريليون دينار حتى تشرين الأول 2025، أي أن النفط يشكل حوالي 90% من الإيرادات في العراق، بينما لم تساهم الإيرادات غير النفطية سوى بأكثر من 10 تريليونات دينار بقليل.
خلافات قديمة وصراع متجدد:
كانت الحكومة العراقية قد ربحت في آذار مارس 2023، دعوى تحكيم ضد نظيرتها التركية أمام غرفة التجارة الدولية في باريس، لـ”مخالفتها” أحكام اتفاقية خط الأنابيب العراقية التركية الموقعة عام 1973. وتتعلق بتصدير النفط الخام من إقليم كردستان عبر ميناء جيهان التركي دون الرجوع إلى شركة "سومو” الاتحادية، الجهة الوحيدة المخولة بتصدير النفط العراقي، وعلى إثر القرار، توقف تصدير نفط كردستان في 25 آذار مارس 2023، الذي كان يبلغ 450 ألف برميل يوميا، الأمر الذي يعني خسارة نحو مليار دولار شهريا.
ومن بين جملة الاتهامات الموجهة إلى أقليم كردستان، أن شركات اجنبية تتولى هناك بموجب عقود”متشابكة مع مصالح احزاب وشخصيات نافذة إنتاج وتسويق النفط بعيدًا عن شركة سومو الحكومية”. وبالمحصلة فأن ذلك ناتج بسبب خلافات عمرها 20 سنة بين حكومتي المركز والاقليم وعدم اقرار قانون للنفط والغاز.
وفي مطلع شباط فبراير 2025، أقرّ البرلمان العراقي تعديلًا في الموازنة لتسوية هذا الخلاف، يتضمن دفع تعويض لحكومة كردستان عن كلفة إنتاج ونقل النفط، ما يسهل استئناف تصدير النفط بعد توقف دام نحو عامين.
وتوجه حكومة اقليم كردستان، اتهامات متكررة الى الحكومة الاتحادية، بالتهرب من تشريع قانون النفط والغاز المعلق مسودته في البرلمان العراقي منذ العام 2008، رغم ان مطلب حسمه كان يوضع ضمن مناهج كل الحكومات التي تشكلت منذ ذلك الوقت، مبينة ان بغداد لا تريد تشريع ذلك القانون الذي سيحدد بوضوح حقوق كل طرف بشكل نهائي، من اجل فرض سياساتها الاقتصادية المركزية وكورقة سياسية لإضعاف الاقليم.
خطوط استثمارية:
يُشير خبير النفط والمتحدث السابق باسم وزارة النفط العراقية، عاصم جهاد، إلى أن إنتاج إقليم كردستان من النفط قبل الحرب الامريكية الاسرائيلية الايرانية في 28 شباط/فبراير2026، كان يتراوح بين 240 ألفًا و250 ألف برميل يوميا.
وكان يُصدّر من هذا الإنتاج نحو 190 ألف برميل عبر ميناء جيهان التركي، بينما استُخدم ما بين 40 ألفا و50 ألف برميل أخرى في عمليات التكرير لتلبية احتياجات الإقليم من المشتقات النفطية. "إلا أن الإقليم أوقف الصادرات بسبب المخاطر الأمنية الناجمة عن الحرب”.
ويشير إلى أنه في حال اتفقت بغداد وأربيل على استئناف تصدير وإنتاج النفط، فسيستغرق الأمر عدة أسابيع للعودة إلى مستويات الإنتاج السابقة. ثم يتساءل: "إذا قررت الحكومة الاتحادية زيادة الإنتاج، فمن أين ستؤمّن الكميات الإضافية في حال توصلت إلى اتفاق مع حكومة إقليم كردستان بشأن استئناف الصادرات؟”.
ويعتقد الخبير، أن الكميات الإضافية ستأتي من حقول نفط كركوك، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية ما بين 300 ألفًا و325 ألف برميل يوميا. ويُرسل هذا النفط بعد ذلك إلى المصافي الشمالية الواقعة في محافظتي كركوك وصلاح الدين، بما فيها مصفاة بيجي.
ويلفت إلى أن مرور كميات النفط العراقي عبر خط أنابيب كردستان يتطلب معرفة موقف الاقليم من عدمه، لا سيما وأن هذه الخطوط استثمارية تشارك فيها عدة جهات. لذا، سيواجه العراق بموقف الشركات المسؤولة عن هذه الخطوط من التصدير من عدمه، فضلاً عن موافقة الاقليم على سعر النفط المار عبرها.
وبحسب جهاد، فإن موافقة حكومة كردستان على قرار تصدير النفط العراقي عبر خطوط أنابيبها ليست من صلاحياتها وحدها، بل تتطلب موافقة جميع الأطراف المعنية بالعقود المبرمة مع الشركات الأجنبية التي أبرمتها كردستان سابقاً دون استشارة أو الرجوع إلى الحكومة الاتحادية. وهذا يضعها أمام شروط والتزامات ملزمة بتنفيذها تجاه هذه الشركات.
وتبلغ الطاقة التصميمية لخط أنابيب كردستان مليون برميل يوميا، إلا أن هذه الكميات لم تُصدّر حتى الآن، ومازال الإنتاج محدودا في الاقليم، بحسب المتحدث السابق باسم وزارة النفط العراقية، وفي حال التوصل إلى اتفاق بين بغداد وأربيل لاستئناف الصادرات عبر هذا الخط، فقد تصل إلى نحو 400 ألف برميل يوميا أو أكثر.
تصدير 500 الف برميل:
يعتقد خبير النفط الدكتور بلال آل خليفة، أنه من الممكن زيادة صادرات النفط من كردستان إلى أكثر من 500 ألف برميل يوميا. ويستند في رأيه إلى حقيقة أنه قبل قرار المحكمة الاتحادية بشأن "قانون النفط والغاز في إقليم كردستان وحكم المحكمة التجارية الفرنسية”، كان الإقليم يُصدّر نحو 450 ألف برميل يوميا من حقوله الخاصة.
بالإضافة إلى 250 ألف برميل تُصدّرها شركة نفط الشمال. أما الآن، وبعد تسوية الخلافات بين العراق وتركيا، وبين الحكومة الاتحادية والإقليم، فإن الصادرات من حقول كردستان تراجعت الى ما دون الـ200 الف برميل.
ويستدرك:”حتى لو زادت الصادرات إلى 500 ألف برميل يوميًا، فلن يكون ذلك كافيًا لتغطية النفقات الرئيسية للدولة العراقية، مثل الرواتب إذ تحتاج الحكومة إلى بيع نفط بقيمة تزيد عن 250 مليون دولار يوميا”.
ويرجع خبراء في مجال النفط باقليم كردستان، ان حقول الاقليم انهكت طوال سنوات من الانتاج الكبير، وبعضها انحدر انتاجها بأكثر من 80%، وان انسحاب بعض الشركات وتوقف الاستثمارات، وتعقيدات تأخر دفع مستحقات بعض الشركات العاملة، وتزايد كلف التشغيل والنقل، كلها أدت الى تراجع انتاج الاقليم الى نصف ما كان عليه قبل سنوات، وان العودة الى الانتاج السابق غير ممكن الا بعد جذب استثمارات واجراء اصلاحات جذرية في القطاع.
وفي تعليق منه على رفض إقليم كردستان تصدير النفط العراقي عبر خط أنابيبه، يقول آل خليفة إن الملكية الحقيقية لخط أنابيب النفط في كردستان تعود للحكومة الاتحادية.
ويوضح أن خط الأنابيب التي أنشأتها الحكومة الكردية بعد عام 2003 قد مُوّلت من عائدات النفط. وينص الدستور على أن النفط والغاز ملك لجميع المواطنين، وبالتالي فإن جميع خطوط الأنابيب ملك للعراق بأكمله، حيث تمثل الحكومة الاتحادية العراق، بما في ذلك إقليم كردستان.
إلغاء الأسيكودا مقابل التصدير:
كان العراق قد دخل مؤخرًا مرحلة جديدة في إدارة اقتصاده مع التطبيق الشامل لنظام الأسيكودا على معابره الحدودية. ويأتي هذا التحول الرقمي في وقت حرج يعاني فيه الاقتصاد العراقي من نقص كبير في الإيرادات غير النفطية.
هذا التحول من الإدارة التقليدية القائمة على الورق إلى الأتمتة الكاملة ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل هو صدام مباشر بين تكنولوجيا عالمية تشجع على الشفافية والاجراءات الألكترونية، وواقع محلي معقد تشكل على مدى عقود من البيروقراطية والمصالح الراسخة، وفقا لمتخصصين.
وبينما تقدم الحكومة هذا النظام كأداة لضبط حركة الأموال والسلع ومنع الهدر المالي والفساد، ومنها ايقاف عمليات التهريب في منافذ ومعابر كردستان، احتدم الصراع بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان بشأن صلاحيات ادارة المعابر الحدودية في كردستان مع كل من ايران وتركيا، وحجم ايراداتها، وسط اتهامات باستخدامها في "تجارة غير رسمية” للنفط لصالح جهات نافذة، ما يكبد الخزينة العامة سنويًا خسائر بمليارات الدولارات.
وتريد حكومة كردستان تأجيل تطبيق نظام الأسيكودا وتقول انه يلحق اضرارا كبيرة بالتجارة عبر معابر كردستان، مشيرة الى ان عشرات التجار ممن لم يستطيعوا التسجيل في ذلك النظام، يتكبدون خسائر كبيرة لأنهم لا يستطيعون الحصول على الدولار بالسعر الرسمي.
هذا الملف يشكل منذ سنوات ساحة مفتوحة للخلافات السياسية والمالية بين بغداد وأربيل وسط تبادل التصريحات والكتب الرسمية، التي تظهر عدم الالتزام بالاتفاقات المالية والسياسية، وغياب الشفافية، واستمرار التهريب عبر المعابر شمالاً وعبر الموانئ جنوبا، والفشل المزمن في إستحصال الإيرادات الجمركية، وفقا لمراقبين.
نتيجة طبيعية لسياسة المحاصصة والصفقات:
الكاتب والصحفي سامان نوح، كتب معلقا بشأن ما يمكن ان تؤمنه خطوط التصدير عبر تركيا من عائدات، ان المشكلة أكبر وأعمق، من أن يتم حلها عبر تصدير 500 الف برميل عبر تركيا، في ظل اهمال ملف تنويع منافذ التصدير لسنوات طويلة.
ويقول ان الوقائع التي ولدتها الحرب الأمريكية الايرانية وتحول العراق الى ساحة للصراع، أدت الى خسارة العراق لكل صادراته من الجنوب أي أكثر من 3 مليون برميل، والتي تشكل نحو 94% من مجموع صادراته. بينما خسر اقليم كردستان صادراته الى تركيا المقدرة بنحو 200 الف برميل، بعد قيام الفصائل المسلحة باستهداف الحقول النفطية والشركات العاملة فيها.
ويتابع، ان محاولة التصدير من حقول كركوك الخاضعة للسلطة الاتحادية، اذا تمت، فلن تتجاوز في الوضع الحالي 250 الف برميل، اذا سمحت الفصائل بتصدير تلك الكميات اساسا ولم تقم باستهدافها، وفي حال اضيف اليها انتاج الاقليم المتوقف حاليا بسبب هجمات الفصائل فسنكون امام سقف انتاج يصل الى 450 الف برميل”.
ويوضح :”هذا السقف لا يؤمن الا نحو 10% من الواردات السابقة، لذا فان اعادة تشغيل الانبوب العراقي القديم مع صادرات الاقليم، حتى مع ارتفاع اسعار النفط، لن تحمل حلا حقيقيا، بعد سنوات من فوضى المحاصصة وصراع الامتيازات الحزبية والصفقات الخاصة، التي عطلت ايجاد منافذ بديلة بما فيه انبوب بصرة العقبة في الأردن الذي هدد نواب بتعطيله بل وتفجيره في حال نفذ”!
رواتب موظفي الاقليم ورقة ضغط:
الخبير الاقتصادي الكردي عثمان كريم، يربط قضية التأخر المستمر بإرسال رواتب موظفي كردستان من قبل الحكومة الاتحادية، بملف عائدات النفط والإيرادات غير النفطية بين أربيل وبغداد. وهذا يعني في جوهره عودة أزمة تأخير الرواتب في الإقليم، وهي أزمة مستمرة منذ أكثر من عقد من الزمان وما تزال عالقة بسبب الخلافات المالية والسياسية والاقتصادية بين الجانبين.
ويُرجح أن تحاول بغداد إعادة هيكلة إدارة النفط بنحو أكثر مركزية مع كردستان بعد انتهاء الحرب الامريكية الاسرائيلية الايرانية وعودة الاستقرار النسبي إلى المنطقة الإقليمية، خاصة إذا شعرت العاصمة العراقية بأن الإقليم يمتلك أوراق ضغط تتعلق بخطوط التصدير.
وفي الوقت نفسه، يحذر كريم، كردستان من اتخاذ موقف متصلب ومحاولة استخدام ما يسميه أسلوب "لوي الذراع” ضد بغداد فيما يتعلق بإنتاج وتصدير النفط العراقي.
وعلى الرغم من أن الأزمات التي تعصف بالمنطقة الإقليمية وتُخلّف تداعيات سلبية على العراق سياسيًا واقتصاديًا وحتى أمنيًا، فإن كردستان، من جانبها – بحسب عثمان- تستفيد باستمرار من الأزمات في العراق والشرق الأوسط عموما على المدى القصير.
ويتحقق ذلك من خلال تعزيز موقفها التفاوضي مع الحكومة الاتحادية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتأمين اتفاقيات سياسية مؤقتة. على حدّ قوله.
وفي الوقت نفسه، ينتقد كردستان، لعدم استغلالها هذه الأزمات لصالحها. فبدلاً من "تحويلها إلى مكاسب سياسية مؤقتة وفرص لإثراء الأحزاب الحاكمة، كان عليها تحويلها إلى خطط استراتيجية طويلة الأجل ومشاريع اقتصادية، مثل تنويع الاقتصاد، وتطوير الصناعة، وبناء بنية تحتية إنتاجية متينة”.
ويقترح الخبير الاقتصادي الكردي خطوات عدة يمكن للإقليم الاستفادة منها لتحويل الأزمات الإقليمية والعراقية تحديدًا إلى فرص حقيقية من خلال معالجتها استراتيجيًا، لا سياسيًا فحسب. وتشمل هذه الخطوات ما يلي:
تحويل الموقع الجغرافي للاقليم إلى مركز تجاري ولوجستي يربط العراق وتركيا وإيران والخليج، عبر تطوير الطرق والمعابر الحدودية والمناطق الصناعية.
و دعم قطاعات الزراعة والسياحة والصناعات الخفيفة، إذ يمكن للاقليم أن يكون بديلاً للدول المجاورة التي تعاني من مشاكل. كما رأينا ما حدث في إيران، وكيف تأثرت وتضررت الأسواق العراقية والكردية، وكيف ارتفعت أسعار الخضراوات والمواد الغذائية وغيرها من السلع.
وإصلاح النظام المالي الداخلي، بما في ذلك تنظيم تحصيل الضرائب والحد من الهدر والفساد، لأن الاستقرار المالي الداخلي يمنح الاقليم قدرة أكبر على الصمود في وجه الضغوط السياسية من بغداد أو من الخارج.
وإنشاء صندوق سي ادي أو احتياطي مالي يُستخدم في أوقات الأزمات، وهو إجراء تتبعه العديد من الدول للتخفيف من حدة الأزمات المالية المفاجئة.
تقرير:صلاح حسن بابان
المصدر: نيريج
PM:09:36:18/03/2026
ئهم بابهته 160
جار خوێنراوهتهوه
اكتب تعليقك هنا ليظهر في الفيس بوك