"انكماش الحلم الكردي أمام هموم العيش اليوميّ"
Westga news– عربية
حين تتحوّل الانتخابات من آلية للتغيير والمساءلة إلى مساحة للمساومات، فإن صوت المواطن يظلّ معلقاً في الفضاء. وهنا تبدأ العلاقة النفسية مع المؤسسة بالانكسار، ويتجلّى الخطر الأكبر في تحول غضب الشارع إلى حالة من اللامبالاة؛ فالغاضب ما زال يطالب ويؤمن بجدوى النظام، أما اللّامبالي فقد انسحب نفسياً ومؤسسيا.
ثمة أحلام كبيرة لا تموت دفعة واحدة، ولا يأتي يوم يستيقظ فيه الإنسان فينتبه فجأة، أنه كفَّ عن الحلم. الأحلام الكبرى تنكمش وتتآكل وتتبدد بطريقة أكثر قسوة من الموت؛ تتراجع خطوات إلى الخلف كلما واجهتها تحديات الواقع، وتذبل كلما اصطدمت بتفاصيل الحياة اليومية الشاقة، لتتقزم شيئاً فشيئاً أمام حاجات، تبدو، في ظاهرها، أصغر منها بكثير. يا للمفارقة! إن التفاصيل الصغيرة المنهِكة، بظهورها المتكرر والعنيد، تستنزف القضايا الكبيرة، وتسلب روحها.
ربما كان حلم الإنسان الكرديّ في بناء سلطة ذاتيّة، رشيدة وعادلة في الإقليم، واحداً من هذه الأحلام التي تتآكل وتنكمش يوماً بعد يوم. فالسلطة الذاتيّة في مخيال الإنسان الكردي، كانت، في طبقتها الأعمق، وعد تاريخيّ بالخلاص. الخلاص من عقود الظلم والإنكار، ومن الحروب التي استهدفت وجوده، ومن محاولات محو لغته وثقافته، والخلاص من أن يكون دائماً شعباً ينتظر أن يقرّر الآخرون مصيره.
وكان تجسيد ذلك الحلم يعني العبور نحو حكم يستند إلى العدالة والكرامة والأمان الاجتماعي وسيادة القانون. وكانت السلطة العادلة تجسيداً لحلم المواطن في أن يرعى الإقليمُ أبناءه، وأن يلمس فرقاً جوهريّاً بين سلطة قمعيّة مضت، وسلطة قوميّة بُنيت بعرق أبنائه ودمائهم، لتعبّر عن تطلعاتهم وتصون كرامتهم.
لكن المفارقة المريرة تبدأ، حين يجد المواطن نفسه، بعد عقود من تجربة الحكم الذاتيّ، مطوّقا بحصار معيشيّ لا ينتهي ولا يطاق. هنا يتعلق الأمر بسلسلة متلاحقة واسعة من الأزمات المركبة التي تلاحق يومياته؛ بدءاً من المساس بالمستحق الشهري الأساسي (الراتب) وما يرافقه من تأخير وادّخار إجباري يربك استقرار الأسرة، مروراً بالتردي المستمر في الخدمات الأساسيّة من كهرباء وماء وصحة وتعليم، وليس انتهاء بضعف الفرص أمام أجيال من الشباب الخريجين الذين يواجهون أفقاً مسدوداً وبطالةً خانقة، فضلاً عن طوابير الانتظار الطويلة، للحصول على أبسط مقومات العيش كالوقود.
هنا يحدث انكسار نفسي وسياسيّ يتجاوز مجرد الشكوى المعيشية؛ هنا يصطدم حلم الحكم الرشيد والعادل بمتطلبات المعدة -قطاً يجوز التعبير- وبالوقت الضائع، وبالحاجة الملحّة إلى سكن كريم وحياة آمنة يمكن احتمالها.
وحين يصبح تأمين أساسيّات الحياة معركة يوميّة يستنزف فيها المواطن طاقته الذهنية والبدنية، فإنّ حلم السلطة الرشيدة العادلة يبدأ في الانكماش أمام سؤال أكثر إلحاحاً وضغطاً: كيف أؤمّن قوت يومي وأضمن غد أبنائي؟.
ماسلو.. حين ينزل الإنسان من المعنى إلى البقاء
حين شيّد أبراهام ماسلو سلّمَه الشهير للحاجلات الإنسانية، تحدّث عن تدرّج الحاجات من قاع البقاء إلى قمة المعنى. تبدأ الحاجات بالحفاظ على الجسد والبقاء الفيزيولوجي من طعام وماء ومأوى، ثم تبرز الحاجة إلى الأمان والاستقرار الشعوري والاقتصادي، وصولاً إلى الحاجات الاجتماعية، ثم التقدير والكرامة، وانتهاء بتحقيق الذات والمشاركة الفاعلة في صياغة الشأن العام.
هرم ماسلو هذا، مدخلٌ جيد لفهم مأساة المواطن الكردي مع السلطة؛ فالحكم العادل، في جوهره، هو البيئة التي تمكن الإنسان من الصعود السلس في هذا الهرم؛ سلطة تؤمن للقاعدة (الخدمات، الراتب، الأمان الاقتصادي، الفرص العادلة) كي تفرغ للمواطن مساحة للتفكير في الانتماء، والكرامة، والإبداع، والمشاركة السياسية.
لكن الطريق إلى أعلى الهرم يمر حتما بقاعدته، وإذا فشلت السلطة القائمة في تأمين هذه القاعدة الأساسية، وجعلت المواطن غارقاً في صراع مستمر لتوفير فاتورة الكهرباء، وحجز الدواء، وانتظار مستحقاته المالية، وبحث أبنائه عن عمل، فإن الإنسان يُجبر قسراً على الهبوط من قمة الهرم إلى أسفله.
المواطن لا يعود ينشغل بسؤال مترف ربما في كيفية مساهمته في تطوير مجتمعه، هو سيرتد إلى السؤال الفطري البدائي في كيفية ابتلاع مرارة اليوم والعيش إلى الغد. لذا فقد يتحول الحلم الكردي من مشروع للانتقال من البقاء إلى المعنى، إلى تقهقر نحو الأسفل، من المعنى إلى البقاء.
عمق خيبة الأمل
هنالك ما هو أكثر إيلاماً في هذه التجربة؛ حيث لا يتوقف الأمر عند طغيان الهمّ المعيشي، إنما بدأ المواطن يسقط خيبة أمله في الحاضر على أيّ أفق مستقبلي آخر. فعندما يرى المواطن أن السلطة التي أُنشئت باسمه ولحمايته وإدارة شؤونه تعجز أو تتجاهل توفير حياة يستشعر فيها العدالة والاستقرار، وعندما يرى احتكار الثروات وتفشي المحسوبية وشلل المؤسسات عن المحاسبة، فإن السؤال يتحول من "كيف نطور سلطتنا الوطنية؟” إلى سؤال أشد قسوة: "إذا كانت هذه هي ثمرة عقود من إدارة الذات، فما الذي ننتظره من الغد؟”.
وهنا ينكسر الرابط النفسي الأخطر؛ التحول من الشعور بأن السلطة مؤسسة تمثل المواطن، إلى الشعور بأنها كيان معزول يعمل لحساب ذاته. فتتحول السلطة من مظلة للخلاص والكرامة إلى غول ينهش ما تبقّى من كرامة المواطن.
وعند هذه النقطة، يصبح سؤال الحكم الرشيد العادل يتمحور حول: من يحكم؟ وكيف يُحاسَب الحاكم؟ وهل المواطن غاية الحكم أم مجرد دافع لضرائبه ومتحمل لأزماته؟ في حين يتراجع السؤال عن الهويّة والشعارات القومية، إلى الوراء منحسرا.
وهنا تكمن المأساة الفلسفية؛ الحلم القومي يريد أن يتحدث بلغة المستقبل، بينما المواطن مضطر إلى التفاوض مع الحاضر كل يوم. والحاضر عنيد؛ لا يقبل الشعارات بدلاً من الراتب، ولا يقبل الوطنية بدلاً من العمل، ولا يقبل التاريخ بدلاً من فاتورة الكهرباء.
عند هذه النقطة يصبح الحلم القومي نفسه محتاجاً إلى ديمقراطية حقيقية حتى يظلّ حلماً بالخلاص، لا مجردَ إعادة إنتاج للسلطة نفسها تحت علم مختلف.
أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع، هو عدم الاكتراث بالشأن العام؛ فاللامبالاة تعني أن المواطن فقد إيمانه بالعملية برمتها، وأصبح ينظر إلى المؤسسات بوصفها غريبة عنه وعن آلامه.
موت الاكتراث السياسي
قد يبدو للوهلة الأولى أن المعاناة المعيشية مجرد أزمة إدارية، لكنها في جوهرها أزمة خيال سياسي وإحباط بنيوي. لقد جرت انتخابات برلمان إقليم كردستان في تشرين الأول 2024، وانقضت سنتان بالتعثر والمساومات الطويلة حول تشكيل الحكومة الجديدة دون نتيجة. غير أن الأثر الأعمق والأشدّ خطورة لهذه العملية بالإضافة إلى التفاصيل السياسية والتحالفات الحزبية، امتد الى موقف المواطن الكردي منها؛ موقف يتجاوز الغضب والمطالبة، ليحل محله اللامبالاة الشبه المطلقة.
في الديمقراطيات الحيّة، تكون الانتخابات وتشكيل الحكومات لحظة لتجديد الأمل وإعادة ضخ للدماء في شرايين المجتمع، حيث يشعر المواطن بأن صوته يغيّر شيئاً في حياته. أما حين يتعمق الشعور بأن نتائج الانتخابات ومفاوضات السلطة معزولة تماماً عن أزمات الشارع، وأن الحكومة الجديدة – مهما كان شكلها أو أسماء وزرائها- لن تتعدى كونها إعادة توزيع للحصص والنفوذ، فإن شيئاً خطيراً يتأسّس داخل نفسية المواطن وهو الانسحاب النفسي الكامل من الشأن العام.
لم يعد المواطن يتابع أخبار تشكيل الحكومة الجديدة بشغف، ولا ينتظر جلسات البرلمان أن تُقعد، ولا يرى في السجالات السياسية سوى ضجيج لا يمتّ بصلة لواقعه المنهِك. وأخطر ما يمكن أن يصيب مجتمع ما، هو عدم الاكتراث بالشأن العام؛ فاللامبالاة تعني أن المواطن فقد إيمانه بالعملية برمتها، وأصبح ينظر إلى المؤسسات بوصفها غريبة عنه وعن آلامه.
يجدر بنا إعادة قراءة "هرم الحاجات الإنسانية”؛ فالديمقراطية وسيادة القانون ليسا ترفاً يقعان في أعلى الهرم، بل هما الشرط الأساسي والأداة المؤسسية لحماية الحاجات القابعة في أسفله. ما قيمة الأمان إذا لم يحمِ المواطن من الفقر؟ وما قيمة البرلمان إذا لم يستطع المحاسبة لتأمين قوته وصون كرامته؟
من أزمة الوقود إلى انسداد الخيال السياسي
ربما كانت أزمة الوقود التي عصفت بالإقليم هي الأشد قسوة على المواطن -بعد صدمة فاتورات مشروع كهرباء روناكي-؛ إذ أفرغت جيوبه وانتهكت كرامته وهو يقف في طوابير طويلة لساعات تحت الشمس اللاهبة للحصول على لترات قليلة من البنزين.
هذه الطوابير المعيشية تتجاوز حدود العجز الخدمي لتكشف عن اختلال عميق في العقد الاجتماعي، وتتحول إلى صورة مكثّفة للطابور السياسي والجمود المؤسسي الذي أعقب انتخابات برلمان إقليم كردستان العراق.
وحين تتحوّل الانتخابات من آلية للتغيير والمساءلة إلى مساحة للمساومات، فإن صوته يظلّ معلقاً في الفضاء. هنا تبدأ العلاقة النفسية بين المواطن والمؤسسة بالانكسار، ويتجلّى الخطر الأكبر في تحول غضب الشارع إلى حالة من اللامبالاة؛ فالغاضب ما زال يطالب ويؤمن بجدوى النظام، أما اللّامبالي فقد انسحب نفسياً ومؤسسيا.
ماسلو مرة أخرى.. الحكم الرشيد كضرورة
من هذا المنطلق، يجدر بنا إعادة قراءة "هرم ماسلو للحاجات الإنسانية”؛ فالديمقراطية وسيادة القانون ليسا ترفاً يقعان في أعلى الهرم، بل هما الشرط الأساسي والأداة المؤسسية الوحيدة لحماية الحاجات القابعة في أسفله. ما قيمة الأمان إذا لم يحمِ المواطن من الفقر؟ وما قيمة البرلمان إذا لم يستطع المواطن محاسبته لتأمين قوته وصون كرامته؟ إن الشفافية، واستقلال القضاء، وتداول السلطة هي جزء أصيل من البنية التحتية التي تؤمّن الراتب، وتوفّر الطاقة، وتخلق فرص العمل. المواطن في الإقليم لا يحتاج سلطة تُدار باسم هويته فحسب، بل يحتاج إلى سلطة ذاتية عادلة يخضع القائمون عليها للمساءلة والمحاسبة.
طوابير السيارات الطويل وفاتورة الكهرباء المتخمة، هي إعلان لتصحيح ذلك الحلم الذي كان يقول: نريد إدارة ذاتية كي نكون آمنين. هو يحتاج اليوم الى اضافة: ونريدها ادارة عادلة كي نعيش بكرامة، وسؤال: كيف نضمن ألّا يتحول من يحكمنا إلى سلطة لا نستطيع محاسبتها؟
بين الكرامة المعيشية والعدالة السياسية..
المفاضلة القسرية
نستطيع تلخيص المفارقة في المشهد اليومي لرجل كردي يقف في طابور من السيارات؛ وراءه تاريخ طويل من النضال والتضحيات، وأمامه محطة وقود. في ذهنه تطلّع إلى سلطة ذاتية عادلة ورشيدة، وليس في خزان سيارته وقود كافٍ. الإدارة الذاتية العادلة بالنسبة إليه مشروع حياة واستقرار، أما البنزين فمشكلة صباح الغد. هو لا يستطيع أن يقود سيارته بالشعارات، ولا أن يدفع إيجار بيته بالهوية القومية مجردة من الإنجاز، وفي الوقت نفسه، لا يستطيع أن يعيش بلا كرامة ولا أمان. والسؤال هنا، من الذي أوصل واقع الإدارة إلى هذه المفاضلة القسرية بين كرامته المعيشية وكرامته السياسية؟ إن أي سلطة ذاتية تستحق أن تكون حلماً ينبغي أن تجعل الأمرَين ممكنين معا.
إعادة تعريف الحلم
إن اتّساع الأزمات المعيشية وانغلاق الأفق يعنيان أن الحلم الكردي بحاجة إلى إعادة تعريف جذري؛ تحوّل من شرعية الهوية إلى شرعية الإنجاز والعدالة. الحلم الذي كان يتطلع إلى سلطة ذاتية لمجرد أنها تحمل هويته، يحتاج اليوم إلى أن يدرك أن الهوية بلا عدالة اجتماعية وبلا حكم رشيد تفرغ من معناها. الحلم اليوم بحاجة إلى رفع شعار واضح: نريد سلطة ذاتية خادمة للمواطن، خاضعة للمساءلة، ومستقلة القضاء، ومجردة من الفساد والمحسوبية.
طوابير السيارات الطويل وفاتورة الكهرباء المتخمة بمبالغ فاحشة، هي إعلان عن ضرورة تصحيح وتصويب ذلك الحلم. الحلم الذي كان يقول: نريد إدارة ذاتية كي نكون آمنين، يحتاج اليوم إلى أن يضيف إليه شعار: ونريدها ادارة عادلة كي نعيش بكرامة، وأن يسأل: كيف نضمن ألّا يتحول من يحكمنا إلى سلطة لا نستطيع محاسبتها؟. وعندها لا يعود البنزين والراتب خصماً للسلطة الذاتية، ولا ترفاً أمام الحاجات الأساسية، بل تصبح هذه كلها أجزاء متكاملة من الحلم نفسه.
تكمن المأساة الحقيقية في أن هذا الإنسان، الذي حاول الصعود إلى أعلى هرم ماسلو ليحقق ذاته في ظلّ سلطة ذاتية عادلة ومزدهرة، يجد نفسه كل صباح مضطراً للنزول القسري إلى أسفل الهرم؛ من العدالة إلى الأمان، ومن الأمان إلى الراتب، ومن الراتب إلى الوقود، وصولاً إلى طابور السيارات.
وهكذا يتبدد الحلم لأن سوء الإدارة والفساد وانسداد الأفق السياسي يمسكان بقدميّ الإنسان الكردي كلما حاول الصعود إلى قمة هرم ماسلو.
تقرير: عيسى طاهر إسماعيل
المصدر: نيرينج
PM:11:01:21/10/2026
ئهم بابهته 272
جار خوێنراوهتهوه
اكتب تعليقك هنا ليظهر في الفيس بوك