الصحافة من منبر للكشف والمساءلة الى منصات للدعاية.. كيف قضى المال السياسي على السلطة الرابعة في كردستان
Westga news – عربية
كل شيء رائع استديوهات ضخمة بديكورات أنيقة وأضواء لافتة مع موسيقى مثيرة، دقة في الصورة والصوت وبراعة في الاخراج، ووجوه جميلة ببدلات أنيقة.. لكن الأخبار ليست أخبارا بل اعلانات مدفوعة الثمن. والسلطة الرابعة لم تعد منابر"مراقبة وكشف ومساءلة" بل منصات دعاية. هكذا يلخص صحافيون المشهد الاعلامي الكردي الذي تحتكره أحزاب حاكمة وتصرف عليها موازنات سنوية بمئات ملايين الدولارات، دون ان تكشف مصادرها!
في مقهى شعبي بشارع "سالم" وسط السليمانية، كان الصحافي الكردي احسان ملا فؤاد، يتابع باهتمام ما تعرضه شاشة التلفاز المعلقة على الحائط، متنقلاً بين القنوات الفضائية الكردية الأشهر، راصداً تغطياتها "الدفاعية والهجومية" في أجواء الاحتقان السياسي ومع تبادل الحزبين الحاكمين في كردستان الاتهامات بشأن المسؤولية عن تعطيل الحياة السياسية.
يقول احسان، وهو يبتسم:"أوقات المساء هذه تمثل ذروة ساعات المشاهدة، والقنوات تقدم نشراتها الرئيسية التي تحمل رسائلها الأهم .. أنظر، كل شيء رائع استديوهات ضخمة بديكورات أنيقة وأضواء لافتة مع موسيقى مثيرة، دقة في الصوت والصورة، وبراعة في الاخراج، وأيضا وجوه جميلة ببدلات أنيقة.. لكن المشكلة ان الأخبار ليست أخبارا بل اعلانات مدفوعة الثمن".
طوال عام ونصف، بعد الانتخابات البرلمانية في كردستان، التي أدت نتائجها غير الحاسمة الى اغلاق البرلمان الكردي وتعطيل تشكيل الحكومة الكردية العاشرة، خاضت الأحزاب الرئيسية سلسلة جولات من تبادل الاتهامات شاركت فيها بقوة وحماس العشرات من قنواتها الاعلامية الرئيسية (الفضائية، الاذاعية، والمنصات الرقمية).
لم تقتصر الحملات الاعلامية، عبر نشرات الأخبار والبرامج الحوارية، عند حدود النقد السياسي وتوجيه الرسائل المبطنة، بل وصلت كعادتها ومن خلال موجات "الأخبار والبوستات المضللة والمزيفة" التي تطلقها جيوش اعلامية حزبية، الى التخوين وحتى اطلاق "عناوين" تروج لفكرة اعتماد نظام الادارتين في كردستان.
احسان، الذي أعتاد قضاء ساعات من يومه مع زملاء المهنة، في مقهى محدد، بعد ما يسميه "التقاعد الاجباري" الذي وجد نفسه فيه اثر الانقلابات الاعلامية التي شهدها الاقليم، يرى في ما يحدث من حرب حزبية اعلامية "استرجاعا للغة الحرب الداخلية التي سادت في تسعينات القرن الماضي"، لكن الآن باستخدام إعلام أسرع وصولاً وأقوى تأثيراً وأكثر انتشاراً، وأقل دقة وموضوعية، يدار ببرامج حزبية بعيدة تماما عن كل الأسس المهنية.
ويرى انه والعديد من زملائه على الرغم من "التقاعد الإجباري" الذي وجدوا نفسهم فيه، لكنه أفضل من العمل لجبهة حزبية. يضيف بينما تنقبض ملامح وجهه: من الجيد اننا لسنا شركاء في تحويل الاعلام من "منبر للكشف والمساءلة الى منصات للدعاية".
فقد ملا فؤاد، بعد سنوات طويلة قضاها في العمل الصحفي وظيفته عندما أُغلقت مؤسسة إعلامية كان يعمل فيها، تابعة لرجل أعمال معروف في السليمانية، ولم يتمكن من إيجاد عمل آخر يتوافق مع توجهاته.
محنة الصحفيين المستقلين
يبدي العديد من الصحفيين الكرد، رأيا متشائماً بشأن واقع الصحافة الكردية رغم تصاعد أرقام التخصيصات المالية عشرات الأضعاف وتزايد أعداد المنصات. يقول الكاتب والصحافي حسين أسكندر، ان الغلبية الساحقة مملوكة لأحزاب تستخدمها كأدوات دعاية، وأبوابها مغلقة أمام كل من يكتب بجرأة أو يحاول كشف الحقائق والتقصي في ملفات الفساد وسوء الادارة.
"هؤلاء غير مرحب بهم في معظم المؤسسات الإعلامية، سواء الحزبية منها أو المتعاونة معها في الظل"، يقول اسكندر وهو يضحك:"ماذا نتوقع من منصات تدار بأموال لا تعلن عن مصدرها، ولا أحد يعرف موازناتها، وأهدافها المعلنة تتضارب مع مواقفها الفعلية؟.. هل يمكن أن تصبح صوتا للحقيقة؟".
ويلفت إلى أن الصحفيين المستقلين، يعانون لايجاد منصات اعلامية تقبل بهم، ومقابل رواتب متدنية، في الغالب لا تصل الا ربع رواتب اعلاميي الاحزاب. انهم يكافحون لكي لا يصبحوا صوتا للجبهات الحزبية.
وينتقد العديد من الصحفيين، باستمرار واقع الصحافة في كردستان، عبر مقالات او تعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي. يقول الصحافي فرمان صادق، ان الأحزاب الكردية الحاكمة، لم تعد تبحث عن صحفيين متمرسين مهنيا ينقلون صوت الشارع، أو حتى أصحاب رؤى قومية، بل تريد وجوه إعلامية تعمل وفق برامج حزبية أعلانية تكشف ما تريد من قضايا وتخفي ما تريد.
المال السياسي .. الدعاية والاعلان
يقول صحفي كردي بارز فضل عدم الاشارة الى أسمه، ان الاعلام الكردي شهد في العقدين الأخيرين تحولات كبيرة، فلم تعد هموم الناس وقضايا الشعب هي من ترسم برامج المؤسسات الكبيرة، واندثر الخطاب القومي كما المسؤولية الاجتماعية، واهتزت أخلاقيات العمل، وباتت المنصات تبحث عن المشاهدات والمتابعات وليس الحقيقة والتأثير.
يضيف:"أحزاب السلطة اليوم تريد صحفيين يتقنون الدعاية أكثر من الاعلام.. تريد وجوه تقبل أن تكون الصحافة مجرد مهنة لكسب المال، وليست رسالة ومسؤولية. وهي وجدت الكثير منهم ووضعتهم في مواقع المسؤولية بقنوات الظل التي يرعاها المال السياسي وتتجاوز في تغطياتها الكثير من الضوابط المهنية والاخلاقية".
ويرى ان هكذا إعلام، حتى وان وجد ملايين المتابعين، لا يمكن أن يشكل سلطة رابعة تراقب وتُسائِل. يقول:"لا يمكنه أن يخلق رأي عام يصحح المسارات الخاطئة أو يضغط لبناء موقف سياسي وطني. بعكس الاعلام الذي حلمنا به".
ويرى صحفيون، ان المال السياسي، الذي يمول عشرات المنصات الإعلامية في اقليم كردستان، فاقم من مشاكل الصحافة، ورسم نهايات "الإعلام المستقل" الذي كان يحاول ان يمول نفسه ذاتيا، فبات الاعلام الكردي بنسبته الساحقة حزبيا خالصا، في حين انهارت وسائل الاعلام المستقلة وأغلقت أبوابها.
منذ ولادة اقليم كردستان بعد انتفاضة 1991 ككيان سياسي وإداري، ومع ضعف المؤسسات الكردية الجامعة وغلبة المنهجية الحزبية في الادارة، لم تؤسس في كردستان وكالة أنباء رسمية أو وسيلة إعلامية عامة تمثل صوت الاقليم لا صوت أحزابه. ومع احتدام الصراع الحزبي، ساد الاعلام الحزبي، قبل ان يحصل تحول في العقد الأخير بظهور الاعلام الممول من شخصيات بالأحزاب الحاكمة -اعلام الظل- والذي أصبح هو السائد مع ضخم عشرات ملايين الدولارات عليه.
في نهاية تسعينات القرن الماضي، برزت صحف ورقية مستقلة يديرها صحفيون محترفون، وشكلت ظاهرة إعلامية مؤثرة استمرت لنحو عقد من الزمن مستفيدة من أجواء السلم والتنافس الحزبي وظهور المجتمع المدني في ظل ديمقراطية ناشئة تضم سلطة فعالة ومعارضة قوية، لكن تلك الصحف فقدت مكانتها مع تراجع المسار الديمقراطي ودخول الاقليم في أتون أزمات سياسية وأمنية واقتصادية متتالية.
يرى الصحفي نوزت احمد، ان الأحزاب الحاكمة بعد 2013 انتهزت فرصة تعثر المسار الديمقراطي وآليات المراقبة والمساءلة، وتراجع المؤسسات الإعلامية المستقلة "فأنشأت عشرات القنوات والمحطات التلفزيونية الناطقة باسمها، بالإضافة إلى قنوات أخرى تعمل في ظلها وبميزانيات ضخمة، تلعب أدوارا دعائية أو هجومية ربما لا تستطيع القنوات الأخرى القيام بها".
1700 وسيلة إعلام في اقليم كردستان
بحسب إحصائية شبه رسمية، من مصدر حكومي مسؤول طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخوّل بالتصريح، توجد في اقليم كردستان نحو 1700 وسيلة إعلام محلية وأجنبية، مرئية (قنوات فضائية وأرضية محلية) ومسموعة (إذاعات) ومقروءة (صحف ومجلات ومواقع اخبارية إلكترونية) أكثر من 90% منها تعود ملكيتها لجهات سياسية وتمول حزبيا سواء بنحو مباشر أو غير مباشر.
ويرى صحافيون كرد، من بينهم رئيس تحرير شبكة KNN الاعلامية التابعة لحركة التغيير آزا ابراهيم، أن وجود مئات المؤسسات الإعلامية وان كان يتيح مساحة لحرية الصحافة، لكنه "يُنذر بنوع من الفوضى".
ويقول ان سيطرة الحزبين الحاكمين (الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني) على الموارد والإيرادات الرئيسية في الإقليم مكنهما من بناء مؤسسات اعلامية "بميزانيات مالية مفتوحة دون أي شفافية أو رقابة".
ويؤكد أن العديد من المؤسسات تدفع رواتب كبيرة لكوادرها تصل أحيانا إلى آلاف الدولارات "لضمان ولائهم وكسب أصواتهم، وتغيب الشفافية في ما يتعلق بمصادر تمويل هذه المؤسسات الإعلامية". وأحيانا يصل الراتب الشهري لموظف كبير في مؤسسة حزبية مجموع رواتب العاملين في منصة اعلامية مستقلة.
وينتقد إبراهيم، ذلك التفاوت، مبينا أنه "يعكس الواقع السياسي والاقتصادي المؤلم بكردستان"، وأدى الى تقسيم الصحافيين إلى فئتين "الأولى تتمتع برواتب ضخمة، والأخرى تعاني من ضائقة مالية".
وينبه الى أن الحزبين يحرصان على استقطاب شخصيات إعلامية معروفة تحظى بشعبية واسعة في الاقليم، من خلال تقديم "رواتب فلكية لتحويلهم إلى أبواق للجهات الممولة".
بذلك فان الرواتب تمنح بناء على "الولاء والقدرة على نقل وايصال الرسائل السياسية، لا سيما خلال النزاعات والخلافات الداخلية، أكثر من اعتمادها على كفاءة الصحفي والإعلامي".
أذرع أمنية تستخدم في الصراع
ويتهم آزا إبراهم، الأحزاب الحاكمة بتحويل الإعلام إلى ما يشبهه "أذرع" عسكرية وأمنية، وأنها "تستخدمها في صراعاتها ولتقويض خصومها".
ويدعو إلى سن قانون عمل خاص بالعمل الإعلامي في كردستان "يحدد الحد الأدنى لأجور العاملين في مجال الإعلام ويمنع غسيل الأموال العامة من خلال وسائل الإعلام الحزبية" حسب قوله.
ووفقاً لمراجعة أجراها معدّ التقرير بمساعدة مجموعة من الصحافيين، تتراوح ميزانيات بعض القنوات الفضائية المعروفة في اقليم كردستان، وخاصة تلك التابعة لأحزاب سياسية كبيرة، بين 1.5 مليون دولار الى مليونيّ دولار شهرياً.
بينما تصل ميزانيات قنوات أخرى، لا سيما تلك التي لها مكاتب ومراسلين في دول أوروبية وعربية، إلى نحو ثلاثة ملايين دولار شهريا، ويتراوح متوسط رواتب موظفيها بين 2000 دولار الى 7000 دولار شهريا.
الحزبان الحاكمان وحصة الأسد
تظهر بيانات شبه رسمية، عن أعداد وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة التابعة للحزبين الحاكمين في كردستان، امتلاك الحزب الديمقراطي الكردستاني، لثمان قنوات فضائية كبيرة ومعروفة بينها (روداو، آفا ميديا، زاكروس، 24K، كردستان)، ونحو 15 قناة محلية (هه ولير، دهوك)، ونحو 20 محطة إذاعية، الى جانب عشرات المواقع إلكترونية مثل (Basnews)، ومئات الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي مثل ( خۆر).
في المقابل، يمتلك منافسه، الاتحاد الوطني الكردستاني، نحو أربع قنوات فضائية كبيرة ومعروفة (كوردسات، قناة الثامنة)، وأكثر من عشر قنوات محلية منها (سليمانى، كركوك، BMC) وأكثر من 15 محطة إذاعية منها (كه لى كوردستان، كوردسات)، وعشرات المواقع الالكترونية مثل (PUKmedia، SNN ) فضلًا عن مئات الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي منها على سبيل المثال (ميلله ت).
حقيقة وجود ذلك العدد الضخم من وسائل الاعلام، نجده أيضا في احصاءات نقابة صحافيي كردستان، فالنقيب آزاد حمه أمين، كشف عن وجود ما يقارب 30 قناة فضائية، وأكثر من 100 قناة محلية، الى جانب ما يزيد عن 100 محطة إذاعية وموقع إلكتروني.
ويقول النقيب -الذي انتخب في المؤتمر الثالث للنقابة في تموز 2011 ومازال في موقعه حتى اليوم، مع تعثر اجراء انتخابات جديدة- ان نقابته تمنح موافقة ممارسة العمل للمواقع الإلكترونية والصحف والمجلات، بينما تمنح وزارة الثقافة موافقة ممارسة العمل للقنوات المحلية والمحطات الاذاعية، وتمنح وزارة الداخلية موافقة ممارسة العمل للمؤسسات الاعلامية الكبيرة، مبينا أن تراخيص البث للقنوات، هو من اختصاص وزارة الثقافة في حكومة الإقليم.
الغالبية الساحقة من وسائل الاعلام تلك، هي حزبية ممولة من القوى السياسية الكبيرة، لكنها تعمل تحت عناوين مستقلة، وترفض توصيف نفسها كمؤسسات تابعة او ناطقة باسم الأحزاب، بالتالي ترفض ربط ما تبثه بسياسات حزبية موجهة، كما تتجنب الكشف عن مصادر تمويلها.
في هذا الاطار، يوضح نقيب الصحفيين:"لا توجد إحصاءات بشأن أعداد وسائل الإعلام الحزبية. فمعظم المؤسسات، عند التقدم بطلب للحصول على ترخيص لممارسة عملها سواءً من وزارة الثقافة أو نقابة الصحفيين، لا تفعل ذلك بصفتها حزبية، بل كمؤسسات مستقلة، متسترةً على انتمائها الحزبي".
ويشير إلى أن منح الترخيص لأي وسيلة إعلامية في الاقليم يعتمد على استيفاء المتطلبات الفنية، والالتزام بالقانون، والتمسك بالمعايير المهنية والصحفية، بغض النظر عن الجهة التي تنتمي اليها، مبينا أن الرسوم التي تستحصلها النقابة لممارسة العمل والتجديد السنوي بالنسبة للصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية هو خمسين ألف دينار عراقي.
وتبلغ رسوم الاشتراك بالنسبة للمحطات الاذاعية نحو ثلاثة ملايين دينار تدفع للنقابة، مع إشتراك سنوي نحو مليون ونصف مليون دينار لوزارة الثقافة. بينما تكون أجور الاشتراك بالنسبة للقنوات الفضائية عالية جدا وتصل إلى ملايين الدنانير، يقول آزاد حمه امين.
أزمات مالية... وزيادة في القنوات الاعلامية!
على الرغم من الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بإقليم كردستان منذ سنة 2013 نتيجةً فشل ما سمي حينها بالاستقلال الاقتصادي وللخلافات المستمرة مع الحكومة الاتحادية، إذ لم يتسلم الموظفون أكثر من 50 راتبا شهريا بشكل جزئي او كامل، إلا أن وسائل الاعلام الممولة حزبيا تزداد عددا.
بحسب أربعة صحافيين تم التواصل معهم، الأزمة المالية لم تؤثر بنحو عام على تمويل وسائل الإعلام الحزبية أو تلك التي تمولها الأحزاب الكردية الحاكمة بنحو غير مباشر، على العكس ظهرت مؤسسات كبيرة أخرى، واحتفظت المؤسسات التقليدية بغالبية كوادرها، بالتالي تم رفع سقف المخصصات المالية للاعلام الحزبي، الذي تعد أرقامه والمصدر المباشر للتمويل أسرارا خاصة لا يتم كشفها حتى بالنسبة لوسائل الاعلام التي تعتبر نفسها مهنية محترفة تعمل وفق القواعد الدولية.
بحسب مصادر اعلامية، يتراوح متوسط رواتب العاملين في العديد من المؤسسات الإعلامية المملوكة للحزبين الحاكمين في كردستان، ولا سيما القنوات الفضائية، بين 2000 و7000 دولار أمريكي، وقد يصل أحيانا إلى 10 آلاف دولاراً أو أكثر.
يتفق سكرتير فرع السليمانية لنقابة صحافيي كردستان كاروان أنور، ان تلك الأرقام دقيقة تحديدا بالنسبة لكوادر المؤسسات الممولة من قبل كبار قيادات الاقليم، مشيرا إلى أن بعض وسائل الإعلام التي تعمل "في الظل" تدفع لموظفيها متوسط راتب يبلغ 3000 دولار. لكن الوضع يختلف بالنسبة لكوادر وسائل الإعلام الحزبية الرسمية، إذ يبلغ متوسط الرواتب حوالي 600 دولار، كما هو الحال في وسائل الإعلام الرسمية التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني.
ويشير إلى أن الإعلاميين العاملين في وسائل الإعلام الحزبية، التي تصنف كممولة من الاحزاب، يحصلون على رواتب أدنى من تلك التي يحصل عليها زملاؤهم العاملين في المؤسسات التي ترفع شعارات "الاعلام الحر والمستقل" وتمولها الأحزاب بنحو غير مباشر.
وهذه الأخيرة وفقاً لكاروان أنور:"تتعرض لانتقادات شديدة في ظل غياب سلم رواتب موحد ومعياري".
ويعزو ذلك إلى "عدم تطبيق قانون العمل في إقليم كردستان"، مشيرا إلى أن كل مؤسسة إعلامية تعتمد سلم رواتب خاص بها، يختلف عن غيرها. وينتقد أنور، ما يسميه "الفوضى والتخبط" في سلم رواتب المعتمد داخل هذه المؤسسات الإعلامية.
يقول صحافيون، ان هذه القنوات على الرغم من ان كوادرها يصنفون أنفسهم كصحفيين واعلاميين مهنيين ومحترفين، لكنها مثل غيرها تستخدم لتبادل الهجمات السياسية وأحيانا هي من تقود حملات التحريض والتشهير كما تمارس بنحو واسع تمرير الاعلانات السياسية وحتى التجارية في نشراتها الاخبارية، وتتحول الى منصات لاستهداف الخصوم.
مئات ملايين الدولارات
بحسب ثلاثة مصادر من داخل مؤسسات معروفة، فأن متوسط ميزانية الفضائيات والقنوات الكردية الكبيرة يتراواح بين 20 الى 30 مليون دولار سنوياً، بينما تبلغ ميزانية بعض القنوات الضخمة نحو 40 مليون دولار سنويا، ويذهب الجزء الأكبر من الميزانية إلى الأمور الفنية والتقنية للقناة، إضافة إلى رواتب مقدمي البرامج والمذيعين، فضلاً عن الخبراء الفنيين والتقنيين.
وتؤكد ذات المصادر، أن متوسط ميزانية بعض المواقع الإخبارية الإلكترونية يبلغ نحو 350 ألف دولار سنويا، ويبلغ متوسط عدد العاملين في تلك المواقع نحو 30 شخصا، وفي البعض منها يزداد العدد إلى 50 شخصاً.
ولم تقدم تلك المصادر، أرقام محددة بأعداد العاملين في وسائل الاعلام الكبيرة، لكنهم أشاروا الى ان بعضها تملك مئات العاملين بعقود عمل مختلفة، خاصة تلك التي تملك مكاتب ومراسلين في كل مناطق الاقليم وفي بغداد وبعض المحافظات العراقية، الى جانب تركيا وايران وسوريا وبعض الدول الأوروبية.
مصافي نفط ومعابر وهمية تمولان الإعلام الكردي
يرى الخبير الاقتصادي فرمان حسين ان المؤسسات الاعلامية الحزبية الكبيرة في غالبها تعمل خارج أطر الرقابة المالية والتنظيمية.
ويقول ان تلك المؤسسات لا تخضع لقوانين تنظم عملها "ولا تخضع مصادر تمويلها للتدقيق والمراقبة"، مشككاً في مصادر تمويل الكثير من المؤسسات "غير واضحة، نظرا لعدم وجود مؤسسات رقابة حقيقية في كردستان تعمل على تدقيق مصادر التمويل والتيقن من نزاهتها، الى جانب عدم وجود برلمان يُمارس عمله في المراقبة والمساءلة كونه معطل منذ سنوات".
ويرجع حسين عدم تأثر وسائل الإعلام الكبيرة الممولة من الأحزاب السياسية، بالأزمة المالية التي تعصف بالاقليم منذ عام 2013، الى ان تلك المؤسسات تمثل مشاريع أساسية للأحزاب الحاكمة تُستخدم للدعاية وفي التنافس السياسي وفي مهاجمة بعضهم البعض "لذا تخصص لها ميزانيات ضخمة من خلال صفقات خاصة".
ويوضح: "مثلا تعقد الأحزاب اتفاقيات مع شركات النفط أو المصافي لتمويل تلك المؤسسات أو مع شركات الاتصالات أو الغاز. ونتيجة لذلك، تكون رواتب موظفيها مرتفعة، ولا تتأثر بالأزمات المالية"، منوها الى أن هذا أحد أوجه الفساد فتلك المؤسسات بالنتيجة لا تتحدث عن طبيعة عقود ومشاريع تلك الشركات.
ويعود للتأكيد ان المؤسسات الإعلامية الضخمة التي تصل رواتب العاملين فيها إلى آلاف الدولارات وموازناتها السنوية الى ملايين الدولارات، ترتبط بحلقات "مشاريع فساد" فالتمويل يأتي من مصافي أو منافذ حدودية غير رسمية، أو مصانع غير قانونية، أو من قبل بنوك ومصارف تابعة لأحزاب السلطة وعلى عملها استفهامات، بالتالي الأحزاب بشكل أو آخر "لا تخسر أموالا في تمويل تلك المؤسسات الإعلامية".
(أ، أ) يعمل بصفة مصور صحافي، في وسيلة إعلام كردية مستقلة براتب شهري قدره 300 ألف دينار، وبالكاد يحصل عليه شهريا بسبب عدم امتلاك المؤسسة التي يعمل فيها أي تمويل حزبي.
يقول ان المصدر الآخر الأساسي للتمويل هو الإعلانات التجارية وهي قليلة أصلا في بيئة غير منتجة اقتصاديا مثل اقليم كردستان. ويستدرك :"حتى تلك الاعلانات تعود لشركات يملكها مسؤولون حزبيون أو رجال اعمال محسوبون على أحزاب، وبالتالي تصبح محتكرة لصالح المؤسسات الاعلامية الحزبية".
ويرى أن المال السياسي المتأتي من العقود والمشاريع غير الشفافة، بات يسيطر على الغالبية الساحقة من وسائل الإعلام في كردستان، وسط غياب شبه تام للشفافية والرقابة، في ظل احزاب حاكمة تسيطر على السلطة والسلاح وتملك المال، ومن الجنون توقع ان تقوم هي بمحاسبة نفسها.
هو يعتقد، ان السنوات الذهبية للصحافة الحرة في كردستان مضت ولن تعود، ومعها انتهى تأثير السلطة الرابعة في خلق الرقابة والمساءلة، كما اندثر في ظل ذلك المجتمع المدني، وباتت "المحاسبة ضربا من الخيال".
استكمالا لرؤية (أ.أ) يقول الصحافي حسين أسكندر، انه مع تدمير السلطة الرابعة والمجتمع المدني، عبر انشاء مئات المنصات الاعلامية الحزبية والمنظمات الحزبية، انحرف المسار الديمقراطي وتراجعت الحريات، وأصبح تأثير كل ذلك واضحاً على واقع كردستان الاقتصادي والسياسي والاداري، فحلقات الفشل تحيط كل شيء وباتت تصل الى تهديد حتى كيان الاقليم الدستوري.
صلاح حسن بابان
المصدر: نيريج
PM:07:29:30/05/2026
ئهم بابهته 224
جار خوێنراوهتهوه
اكتب تعليقك هنا ليظهر في الفيس بوك