صراع القمة يشلّ البرلمان ويُعطل تشكيل الحكومة.. كيف يدفع مواطنو كردستان ثمن المصالح الحزبية؟
Westga news – عربي
في ظل الحروب الحزبية المستعرة على المناصب في كردستان منذ أكثر من عام ونصف، والتي عطلت تشكيل حكومة جديدة وأغلقت أبواب البرلمان، يأتي مقترح اجراء انتخابات جديدة، كمسار للحل. لكن إعادة الانتخابات لن تحل صراعات القيادات على الامتيازات التي ستتجدد في كل مرة، ويدفع مواطنو كردستان أثمانها من أعمارهم.
جلس "شيركو سلام” في المقهى الشعبي نفسه الذي اعتاد ارتياده كل مساء قرب منزله في حي بختياري بالسليمانية، وطلب كوبا من الشاي بينما كان صديقه يستمع باهتمام لنشرة اخبارية على احدى القنوات التلفزيونية الكردية، في الأسفل كان الشريط الاخباري ينقل خبراً عن "حل البرلمان واجراء انتخابات جديدة” لإنهاء معضلة تشكيل الحكومة، الممتدة منذ 17 شهرا.
هز الرجل الستيني، الذي يعمل سائق تاكسي، رأسه معترضا، وهو يحرّك الملعقة ببطء في كوب الشاي، وقال بصوت عال: "من سيذهب الى انتخاباتكم؟.. في كل مرة قصة جديدة.. الناس تشقى لتأمين حاجاتها.. منذ الصباح لم أشتغل إلا بـ 20 الف دينار”.
يمثل موقف شيركو، شريحة واسعة من مواطني إقليم كردستان، المحبطين من أزمة سياسية غير مسبوقة منذ تسعينات القرن الماضي، عطلت تشكيل الحكومة الجديدة وفق نتائج انتخابات تشرين الأول أكتوبر 2024، ومنعت اعادة تفعيل البرلمان المتوقف عن عقد جلساته منذ أكثر من ثلاث سنوات، على خلفية احتدام الصراع بين أكبر حزبين في الاقليم، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني.
كان شيركو، سابقاً من المؤيدين للمشاركة القوية في الانتخابات الكردية، لكنه الآن يشكك: "ما جدوى انتخابات تتكرر فيها ذات الوجوه والخطابات، ولا تأتي بحل لمشاكلنا؟”.
يتفق معه صديقه "حاجي كاوا”، الذي يملك محلا للملابس، يقول بنبرة غاضبة:”لقد دمرونا.. الشلل يضرب كل شيء.. يمر يوم كامل لا نبيع فيها قطعة واحدة، البعض يدخل ويتفرج ثم يخرج دون سؤال”.
يصمت للحظات ثم يضيف وهو يحك لحيته:” أنظر.. هل هذا سوق؟.. كأن هناك حظرا للتجوال.. بتنا نفتح محلاتنا ظهرا ونغلقها قبل المساء، ونحن نقترب من عيد الأضحى… كل شيء متوقف.. الناس تكتفي فقط بشراء الخبز ومفردات وجبات طعامهم”.
يرسم ابتسامة على شفتيه، ويتابع:”في ظل سيطرة الحزبين الأمنية والمالية على كل شيء، سيحصدان ذات الأصوات ويتكرر مشهد الصراع على المناصب والمصالح.. ألف انتخابات جديدة لن تحل حروب المناصب .. ألف أزمة نعاني منها لن تدفعهم للتنازل عن امتيازاتهم”.
يتفق مع هذا الرأي نسبة كبيرة من مواطني الاقليم، الذين يشعرون بالاحباط من كل مسار العملية السياسية ومن طريقة ادارة الاقليم الفيدرالي عموماً، في ظل تفاقم الأزمات المالية- الاقتصادية منذ أكثر من عقد، ومع تراجع بنية المؤسسات وبروز مظاهر الادارتين الحزبيتين.
لا شيء يتغير
الإحباط من المشاركة في أية عملية انتخابية جديدة تُجرى في كردستان، كمخرج لأزمة عدم اتفاق "الديمقراطي” و”الاتحاد” على توزيع المناصب، وعجزهما عن تأمين 50+1 من الأصوات، يدعمه سؤال يتردد على نحو واسع بشأن الدور الحقيقي للبرلمان؟ وهل مازال البرلماني يمثل رأي الشعب في ظل "نظام سياسي أنتج نائب مسلوب القرار”. وبالتالي ما الذي يمكن ان يتغير بعد أي عملية انتخابية جديدة؟
ويملك الحزب الديمقراطي (39 مقعدا) والاتحاد الوطني (23 مقعدا) من أصل 100 مقعد يضمها برلمان اقليم كردستان، وتحتفظ قوى معارضة ببقية المقاعد، وغالبيتها ترفض التحالف مع أي من الحزبين الكبيرين، وهو ما يعطل عمليا تشكيل الحكومة.
وباتت حالة الإحباط في كردستان، تشمل شرائح واسعة، بما فيه المستثمرين وكبار التجار، وطيف واسع من أعضاء الأحزاب الحاكمة، الى جانب الموظفين المتقاعدين (نحو 1.25 مليون) الذين غالبا ما يعجزون عن تلبية احتياجاتهم المعيشية الأساسية نتيجة تعثر توزيع مرتباتهم وارتفاع تكاليف المعيشة.
كما يعاني العاملون في قطاع الخدمات بنحو كبير، فهم يجدون أنفسهم على حافة الفقر كلما تأخر صرف الرواتب الحكومية كونها تعد المحرك الرئيسي للسوق ولعموم النشاط التجاري والاقتصادي. بينما يعاني الشباب من ارتفاع معدلات البطالة في ظل قلة فرص العمل، وهو ما يجعلهم الأكثر احباطاً.
يحدث كل هذا في ظل غياب تام للقطاعات الإنتاجية في كردستان، ومشاكل كبيرة في قطاع النفط، المورد الأساسية للعائدات، نتيجة سيطرة شركات الاستثمار عليه وتوقفها عن الإنتاج والتصدير مع كل توتر أمني.
استحكام الانسداد السياسي
دخل الإقليم الكردي مرحلة الجمود السياسي، بعد فشل كل الحوارات التي جرت على فترات متقطعة طوال نحو عام ونصف، بين الأحزاب الكردية حول تشكيل الحكومة الكردية العاشرة وخاصة بين (الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني)، حيث جرت آخر جولة مفاوضات بينهما في 11 شباط فبراير 2026. وكان هناك أمل بأن تدفع نتائج انتخابات البرلمان العراقي في تشرين الثاني نوفمبر 2025 ومتطلبات تشكيل الحكومة العراقية، الحزبين الكرديين الى اتفاق كامل يشمل مشاركتهما في حكومتي اربيل وبغداد معاً.
لكن تلك الجولة والتي جرت بمشاركة بافل طالباني ومسعود بارزاني، لم يسفر عنها أي اتفاق حتى بشأن ترشيح شخصية كردية واحدة لمنصب رئيس الجمهورية، وظلت القضايا الأخرى المتعلقة بتوزيع المناصب في حكومة اقليم كردستان محل خلاف كبير، حيث أصر كل طرف على مطالبه وشروطه ذاته التي تكررت منذ اجراء انتخابات برلمان كردستان نهاية العام 2024.
ولم يدفع اندلاع الحرب "الأمريكية الاسرائيلية”– "الايرانية” والتطورات الكبيرة في المنطقة وفي العراق، الحزبين الى عقد اجتماعات جديدة، وتم ترك ملفات تشكيل الحكومة سواء في الاقليم أو في بغداد عالقة حتى بعد تعرض عشرات المواقع المدنية والاقتصادية والأمنية لهجمات من ايران والفصائل العراقية التابعة لها، بما خلفته من أزمات في توفير الكهرباء والوقود وحتى الرواتب مع انقطاع صادرات كردستان النفطية.
وما عقد سير المفاوضات منذ بدايتها، هو موقف القوى المعارضة في برلمان كردستان، التي التزمت غالبيتها "الحياد” وأعلنت عدم مشاركتها في أي حكومة مقبلة، وهو ما وضع الحزبين الرئيسيين أمام معادلة عدم امتلاك اي منهما نسبة الأصوات المطلوبة لتشكيل الحكومة منفردا دون الحاجة الى الطرف الآخر.
برلمان معطل.. ونواب متفرجون
انعكس الخلاف السياسي الحاد بين الحزبين الذين يقتسمان ادارة كردستان والسيطرة الأمنية على جغرافية الاقليم، على عمل البرلمان الذي عقد جلسة واحدة، ثم توقفت أعماله بنحو كامل. كما رفعت الأزمة السياسية بين الحزبين مستوى الخلافات المالية بشأن عائدات المعابر الحدودية، حيث يؤكد نواب معارضون من أن العائدات باتت تقسم وفق الرؤى الحزبية، خاصة مع غياب الموازنات الحكومية منذ العام 2015، حيث لم يناقش البرلمان الكردستاني العائدات والمصروفات منذ ذلك الحين.
ومنذ انتخابات برلمان اقليم كردستان، لم يعقد المجلس الكردي سوى جلسة واحدة بتاريخ 2/12/2024 أدى خلالها البرلمانيون القسم ثم عادوا الى بيوتهم تاركين أبواب البرلمان مغلقة غير مكترثين للعواقب ولا لتعهداتهم الانتخابية.
وبحسب النظام الداخلي لبرلمان كردستان، يتم اختيار رئيسه ونائبه والسكرتير في أول جلسة يعقدها المجلس، لكن ذلك لم يتحقق ورفعت الجلسة إلى اشعار آخر، دون تحديد أي موعد معلوم لانعقادها، وذلك بسبب الخلافات السياسية بين الحزبين الرئيسين.
وعلى الرغم من تعطل البرلمان كل تلك الفترة، الا أن أعضاءه يتسلمون رواتبهم وامتيازاتهم الشهرية، ما يشكل هدراً للمال العام، لأنه يتضمن صرف رواتب لأشخاص دون القيام بأي مهام أو أعمال أو واجبات رسمية.
ويعد مراقبون ومتخصصون في الشأن القانوني، ذلك مخالفة للنظام الداخلي لبرلمان الإقليم، إذ كان من المفترض اختيار رئاسة البرلمان والتمهيد لاختيار رئيس الإقليم خلال 30 يوما وبعده يتم اختيار رئيس الحكومة والكابينة الوزارية الجديدة لكن كل ذلك.
وكانت الاعلانات السياسية التي سبقت الانتخابات كما الحملات الانتخابية مليئة بالشعارات والتعهدات التي تؤكد تشكيل برلمان وحكومة قويتين تتصديان لأزمات الاقليم المتراكمة، وسط تطلعات من الشارع الكردي بتحقيق ذلك لإنهاء او التخفيف من الضغوط الاقتصادية.
فار على نتائج انتخابات 2024
أسفرت نتائج الانتخابات البرلمانية الكردية، التي جرت في 20 تشرين الأول أكتوبر 2024 بعد تأجيلها لمدة عامين عن موعدها الأصلي، عن فوز ثلاث قوائم رئيسية بنسبة 82 بالمئة من مقاعد البرلمان (الحزب الديمقراطي، والاتحاد الوطني، وحركة الجيل الجديد). واحتفظت أحزاب المعارضة (الجيل الجديد، الاتحاد الاسلامي، وحركة الموقف) بنحو ثلث مقاعد البرلمان.
ورسخت النتائج حقيقة قائمة منذ ظهور اقليم كردستان، وهي أن أي من الحزبين الكبيرين لا يستطيع المضي منفردا في تشكيل الحكومة. وحتى مع تحالف أحزاب صغيرة مع أي من الحزبين، فان الحكومة لن تستطيع العمل دون مشاركة الطرف الآخر.
حصل الديمقراطي الكردستاني على 809,197 صوتا في انتخابات 2024 مقارنة بحصوله على 688,070 صوتاً في انتخابات 2018، بزيادة تقدر بـ121,000 صوت، بينما تراجعت مقاعده من 45 إلى 39 مقعداً. وعلى الرغم من رفع عدد أصواته الا أن مقاعده تراجعت بسبب تقليل عدد مقاعد البرلمان الكردستاني من 111 الى 100.
وحصل الاتحاد الوطني على 408,414 صوتاً في انتخابات 2024، مقارنة بـ 319,912 صوتاً في انتخابات 2018، بزيادة تقدر بـ 89,000 صوت، لتقفز مقاعده من 21 مقعداً في الدورة السابقة إلى 23 مقعداً في الدورة الحالية.
وفرض حراك الجيل الجديد نفسه ثالثاً بعد الحزبين الكبيرين، وحصل على 290,991 صوتاً مقارنة بـ 127,115 صوتاً في انتخابات 2018، ليحصل على 15 مقعداً بعدما كان يمتلك ثمانية مقاعد في الدورة السابقة.
كما حصل الاتحاد الإسلامي على 116,981 صوتاً مقارنة بحصوله على 67,712 صوتاً في انتخابات 2018 رافعا مقاعده من خمسة إلى سبعة مقاعد. بينما حصلت قائمة الموقف/هه لويست، التي انشقت عن حركة التغيير، على أربعة مقاعد.
ومع التباين الكبير في مواقف ورؤى القوى الفائزة بشأن إدارة الحكم على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي ظل سيادة المصالح الحزبية، علق الاقليم في دوامة "لا حكومة- لا برلمان”، خاصة مع غياب مبادرات داخلية او خارجية تقدم "مخارج للأزمة” وخارطة "اصلاح” تكسر حالة الفشل والضعف.
وعلى الرغم من أن الإقليم الكردي يتمتع بحكم شبه مستقل ضمن الدولة الاتحادية العراقية منذ أكثر من ثلاثة عقود، إلّا أن الكرد مازالوا بلا مؤسسات جامعة ومرجعية دستورية، ويعانون من تصدعات وانشقاقات داخلية، وايضاً أزمات مالية نتيجة تراجع الاقتصاد وفرص الاستثمار ومعها قلة فرص العمل، كما ان القوى النافذة في الاقليم منقسمة في علاقاتها الإقليمية والغربية بين ايران وتركيا وأمريكا.
انسداد سياسي.. انعكاسات اقتصادية
لم تنحصر تداعيات "الانسداد السياسي” عند حدود تأخر تشكيل الحكومة الجديدة، وهي الفترة الأطول للتأخير منذ تأسيس سلطتيها التشريعية والتنفيذية عام 1992، وانما امتدت إلى المفاصل الاقتصادية فأدت الى شل حركة السوق. بحسب مراقبين للشأن الاقتصادي.
"زاد من المشكلة عدم وجود خطط عمل معلنة لتقليل البطالة بين الشباب مثلا بما فيهم مئات الآلاف من خريجي الجامعات. خطط محددة بتواريخ انجاز معلنة.. لا ميزانية، لا رقابة، لا مساءلة”، يقول الكاتب حسين اسكندر. ويضيف "اعتاد الجميع على الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية وحتى الاجتماعية، وملفات سوء الإدارة والفساد والمحسوبية، باتت أمورا طبيعية، الى جانب ارتفاع الضرائب، والتجارة الحزبية عبر الحدود”.
يكشف رئيس تيار "الموقف” المعارض، علي حمه صالح، عن عجز الحزبين الحاكمين ليس في تأمين متطلبات الاقليم المالية اللازمة لتسديد رواتب موظفيه وتمويل المشاريع، بل حتى في تأمين الإيرادات الشهرية التي تطالب بها الحكومة العراقية من عائدات المعابر الحدودية الخاصعة لادارة كردستان.
ويؤكد ان بغداد تطلب شهريا بـ120 مليار دينار، يُفترض تحويلها من إيرادات الإقليم الداخلية الى الحكومة الاتحادية، لتقوم الأخيرة بدفع رواتب موظفي كردستان التي تصل الى نحو ترليون دينار.
وتشكو حكومة كردستان من تراجع الحركة التجارية في معابرها مع تركيا وايران، ولذا هي تعجز عن توفير المبلغ المتفق عليه (120 مليار)، وتقول انها تستطيع تأمين 50 مليار دينار فقط.
يقول صالح، ان العجز عن تأمين ذلك المبلغ، الذي يؤخر ارسال رواتب موظفي كردستان لشهر نيسان أبريل، غير مبرر خاصة مع انتهاء الحرب الإقليمية الامريكية الإسرائيلية الإيرانية، منذ أكثر من شهر.
ويوضح أن السليمانية يجب أن تُؤمن 48 مليار دينار، وأربيل ودهوك 72 مليار دينار للوصول إلى المبلغ المطلوب وهو 120 مليار دينار، إلا أن المبلغ لم يُؤمَّن الى الآن، نتيجة تراجع ايرادات حكومة كردستان من 400 مليار شهريا إلى نحو 100 مليار، "نتيجة تصاعد عمليات التهريب في المعابر الحدودية الرسمية وغير الرسمية داخل الإقليم، فالأموال لا تذهب الى ميزانية الحكومة بل لجهات أخرى”.
يتفق الباحث الاقتصادي نجم محمد، أن عجز حكومة الاقليم عن تأمين 120 مليار دينار، يرجع إلى "الفساد المستشري وانعدام الشفافية، بالإضافة إلى الفشل في تطبيق نظام الأسيكودا داخل منافذ كردستان، الأمر الذي قلل من اعتماد التجار العراقيين على تلك المنافذ في استيراد بضائعهم”.
من جانبه، يشير الباحث الاقتصادي عثمان كريم الى تأثير حالة "الانسداد السياسي” على الوضع الاقتصادي في الاقليم. ويقول إن شلل المؤسسات في كردستان يفاقم الأزمة الاقتصادية، كونه يبدد ثقة المستثمرين وأصحاب الشركات.
ويصف الوضع الراهن بالـ "كارثي” من الناحية الاقتصادية، حيث تعيش الأسواق حالة ركود بينما ترتفع معدلات البطالة والفقر، وهو وضع لم يشهد اقليم كردستان مثيلا له. ويقول "الموظفون لا يعلمون متى سيتقاضون رواتبهم، أو سيتقاضونها اصلاً، ولا أحد يعرف متى تقوم حكومة الإقليم بتحويل 120 مليار دينار الى بغداد لضمان ارسال مستحقات موظفي كردستان”.
وينبه الى أن "الانسداد السياسي” يعني غياب برامج "تقدم حلولا شاملة للأزمات” في ظل عدم وجود مؤسسات قادرة على مناقشة ومعالجة هذه القضايا "فالبرلمان مُعطل، والحكومة هي لتصريف الأعمال”.
حل البرلمان وانتخابات مبكرة
مع استحكام الجمود السياسي، بدأ الديمقراطي الكردستاني يطرح فكرة "حل البرلمان” بمرسوم من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، بما يسمح بالمضي نحو إجراء انتخابات مبكرة، على أمل ان تحمل تغييرا في معادلة توازن القوى الحالية.
إلا أن هذا المقترح يواجه عددا من العقبات، أبرزها رفض العديد من القوى السياسية إعادة الانتخابات، تحت رأي "لن تأتي بجديد”. وعدم وجود مفوضية للانتخابات في كردستان، فضلاً عن انتهاء عُمر الدورة الحالية لمفوضية الانتخابات العراقية، كما ان اعادة الانتخابات تحتاج الى تخصيصات مالية كبيرة غير متاحة في كردستان.
يعلق عضو المجلس القيادي للاتحاد الوطني لقمان ورتي على هذا السيناريو: "حتى لو أُجريت الانتخابات عشر مرات أخرى، فلا حل دون مشاركة الاتحاد الوطني مع الديمقراطي الكردستاني في إدارة الإقليم ضمن حكومة واحدة”، داعيا الديمقراطي الى التخلي عن تصور أن "اجراء انتخابات مبكرة ستعيد إليه السلطة والقوة مجددا، هذا أمر بعيد المنال”.
وأضاف أن الإقليم يمر بفترة صعبة للغاية، فالمنطقة تشهد تحولات سريعة وخطيرة "تفرض على الجميع الشعور بالمسؤولية”.
رؤية "ورتي” تتركز في أن أي حكومة تُشكّل اليوم او مستقبلا فيجب أن تضم الحزبين الحاكمين معا، وغياب أي منهما يعني صعوبة تشكلها أو فشلها على أقل تقدير. وان ذلك يفرض الشراكة في المناصب والقرار.
ويكرر العديد من المسؤولين في الاتحاد الوطني، ذات الرأي، ويتفق معهم العديد من قادة الأحزاب الأخرى بما فيها المعارضة، وحتى بعض الأحزاب القريبة من الديمقراطي الكردستاني.
تشكيك.. غير ممكنة وليست حلا
الرئيس الأسبق لبرلمان إقليم كردستان (2014-2018) يوسف محمد، يرى إن إجراء انتخابات مبكرة "خطوة سياسية طبيعية ضمن إطار ديمقراطي لتجاوز أي مأزق سياسي”.
لكنه يشكك بإمكانية حصول تغييرات في المشهد السياسي مع اي انتخابات جديدة، نظراً لاستمرار الحزبين الحاكمين في "التمسك بذات النهج في التفكير والعمل”. ويقول ان الانتخابات المبكرة ستكون إيجابية "إذا أسهمت في تفكيك نظام الإدارتين في الإقليم حيث يتحكم كل حزب بمناطق نفوذه، وتوحيد كردستان، وتوحيد قوات البيشمركة، وإنهاء الوضع المأساوي الذي يشهده الإقليم”. ليعود للسؤال:”لكن هل هذا ممكن؟”.
بدوره، يرى رئيس كتلة الاتحاد الإسلامي في برلمان الإقليم مصطفى عبدالله، إن الأصوات الصادرة بشأن حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة "تُستخدم كأداة ضغط سياسي”، مشيرا إلى أن تنفيذ هذه الخطوة من الناحية القانونية ليس بالأمر السهل.
ويوضح أن عقد الجلسة الأولى لبرلمان كردستان، جعل ملف "حل البرلمان” يخرج من صلاحيات رئيس الإقليم، كما ان المحكمة الاتحادية العراقية رفضت في وقت سابق عدة دعاوى خاصة بهذا الموضوع.
ويضيف أن غياب مفوضية مستقلة للانتخابات في الإقليم، إلى جانب انتهاء المدة القانونية لمفوضية الانتخابات العراقية، تمثل عقبة تقنية كبيرة أمام أي عملية انتخابية، فضلاً عن الحاجة إلى ميزانية تتراوح بين 20 و30 مليون دولار، وهو ما لم تُبدِ الحكومة الاتحادية في بغداد استعدادها لتوفيره.
ويشير الى أن "قرار الحل” أيضا مرتبط ببعض الاعتبارات السياسية في بغداد، وهو بذلك ربما لايكون خيارا واقعيا في أربيل.
ويشدد عبد الله، على أن الحل يكمن في توافق الكتل الممثلة للقوى السياسية، على المشاركة في جلسة برلمانية تُعيد تفعيل المؤسسة التشريعية، وهو ما يفتح بابا أمام تحريك الأجواء ووضع حد للأزمات المتفاقمة.
المصالح غالبة.. لا حكومة جديدة
يصف عضو المكتب السياسي بجماعة العدل الكردستانية عبد الستار مجيد، الوضع السياسي الحالي في كردستان بـ”الكارثي”، وأنه نتيجة طبيعية للصراع بين الحزبين الحاكمين. ويقول "لقد حذرنا من هذه الأزمة فور انتهاء الانتخابات قبل 18 شهراً. أكدنا حينها أن البرلمان الذي شُكّل بالتخطيط المسبق، لن ينجح، ولن يتمكن من تشكيل حكومة شرعية تخدم مصالح الشعب”.
ويبدي رئيس تيار "الموقف” علي حمه صالح، إحباطه من الواقع السياسي الكردي، قائلا: لا وجود لحكومة في كردستان في ظل ادارة الحزبين الحاكمين، اللذين يصوران أن الامور جيدة وطبيعية من خلال ماكناتهم الإعلامية الضخمة رغم الوضع المتردي الذي نعيشه.
ويرى بعدم إمكانية تشكيل حكومة جديدة، بناء على سياسة تغليب المصالح الحزبية، مرجعا ذلك الى سببين، الأول ان الحزب الديمقراطي بـ 39 مقعدا يريد السيطرة على جميع المناصب السيادية، مثل رئاستي الإقليم والحكومة فضلا عن الوزارات الحساسة. والثاني ان الاتحاد الوطني بعد تحالفه مع "الجيل الجديد” باتا يملكان 38 مقعدا ويصران على جملة مطالب.
في ظل هذا الانسداد، تحمل حركة "الموقف” الحزبين الكبيرين مسؤولية تدهور الوضع السياسي والاقتصادي وتراجع "موقع ودور” اقليم كردستان في بغداد الى حد الاضرار بحقوقه الدستورية. وتؤكد الحركة انها لن تنضم الى أي من فريقي الصراع كونها ترفض النظام السياسي القائم في كردستان بقيادة الحزبين، مبدية استعدادها للذهاب الى انتخابات مبكرة.
شروط انهاء التعطيل
لكن عضو الاتحاد الوطني، برهان الشيخ رؤوف، يرفض تحميل حزبه مسؤولية تعطل تشكيل الحكومة وغياب البرلمان والمؤسسات. ويقول أن قيادة حزبه مستمرة في التواصل مع جميع الأطراف للتوصل إلى صيغة تنهي الانسداد السياسي.
ويتهم الشيخ رؤوف، الحزب الديمقراطي، بافشال عملية تشكيل الحكومة:”يصر على فرض شروطه ويريد أن تسير الأمور وفق رغباته، وهو ما نعده منافيا لمبدأ المشاركة في الحكم”.
وينفي خشية حزبه من "إجراء انتخابات مبكرة”، قائلا:”نحن مستعدون لها في أي وقت، لكن مصلحة الشعب الكردي تكمن في تشكيل حكومة جديدة، والاعتراف بالواقع السياسي الجديد الذي تشكل بعد تحالف الاتحاد مع الجيل الجديد”.
ويصطف الى جانب الاتحاد في موقفه، حراك الجيل الجديد. يقول النائب السابق عن الحراك موفق حسين، ان الديمقراطي يتحمل المسؤولية وهو مستفيد من الأزمة، مبينا أن "الانسداد شلّ الدور الرقابي والتشريعي للبرلمان، وسمح للديمقراطي ببقاء حكومة تصريف أعمال تدير السلطة بشكل منفرد لأطول فترة ممكنة.
لكن عضو الحزب الديمقراطي، وفا محمد كريم، يرفض تحميل حزبه مسؤولية "الانسداد”، ويقول ان الاتحاد هو السبب "هو يريد مناصب أكثر من استحقاقه الانتخابي، وهو يتجاهل الثقل الانتخابي، ويعوّل على قوى شيعية وسنية وليس على الموقف الكردي”.
ويرى ان الحل في النهاية، مع استمرار فشل المفاوضات، يكمن في "حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة بمرسوم من رئيس الإقليم”.
التدخل الإقليمي والدولي
يفتح الجمود السياسي في كردستان الباب أمام إمكانية التدخل الدولي أو الإقليمي لحل العقدة، وهو ما حصل في فترات سابقة سواء من قبل الولايات المتحدة او ايران. مع ذلك يرى الباحث الأكاديمي حكيم عبد الكريم أن ذلك التدخل قد يضفي الى حل مؤقت وليس دائمي.
ويقول ان الحل الحقيقي يجب أن يكون داخليا، بعكسه فان الأزمة ستستمر، كما ستصبح عملية صنع القرار السياسي رهينة للخارج.
وعن احتمالية أن تؤدي الانتكاسات السياسية والاقتصادية في كردستان بتداعياتها الثقيلة على حياة سكانه ووضع الكيان الكردي، الى احداث تغيير سياسي، يقول الباحث: "التغيير ممكن خاصة مع نفاد صبر المواطن الكردي، ولكنه ليس سهلا، لأنه يصطدم ببنية سياسية راسخة ونفوذ قوي للأحزاب الحاكمة التي عززت سلطتها”.
ويحدد عبد الكريم مسارين متزامين لحل المأزق الراهن في كردستان، الأول سياسي من خلال "اتفاق شامل يُعيد تشكيل السلطة ويفتح بابا للاصلاح الحقيقي” قبل فوات الأوان، والثاني اقتصادي "بتنشيط القطاعات الفاعلة وتنويع مصادر الدخل ومنع الاحتكارات”، وهذا يحتاج الى تنازلات قاسية يبدو ان القيادات مازالت في غير وارد تنفيذها.
تقرير: صلاح بابان
المصدر: نيريج
PM:09:33:07/05/2026
ئهم بابهته 244
جار خوێنراوهتهوه
اكتب تعليقك هنا ليظهر في الفيس بوك